محاور التعليم في مؤشر المعرفة: مرجعية عالمية متكاملة

تبرز الحاجة إلى المؤشرات والمقاييس بشكل متنامٍ في العصر الحديث لما لها من أهمية في رسم المستقبل واستشراف الحلول والخطوات التي تضمن السير على نهج سليم في شتى مجالات الحياة. وما من ريب أن المعرفة هي من أهم ما تتطلبه الحياة المعاصرة والتنمية الشاملة التي تسعى لها الدول عموماً، كما أن التعليم العالي والبحث العلمي هو واحد من الأسس التي ترتكز عليها المعرفة الحديثة التي من شأنها أن تخرج العقول التي تفضي إلى الإبداع والابتكار المنوط بهما كل عوامل الازدهار والتطوير. كما تبرز أهمية المؤشر في كونه واحداً من المراجع الرئيسة لانطلاق المجتمعات اقتصاد المعرفة، فضلاً عن كونه ركيزة أساسية للإنتاجية والتنافسية الاقتصادية.

من هنا جاءت أهمية مؤشر المعرفة العالمي عموماً والتعليم العالي والبحث العلمي على وجه الخصوص، في تأهيل المنظومة التعليمية لمواكبة احتياجات سوق الاقتصاد المعرفي، والدور الرئيس للتعليم الافتراضي الذي تفرضه الأزمات والكوارث على الكثير من المجتمعات، ليكون الخطة البديلة لكي ينعم العالم بالوفرة المعرفية مهما كانت الظروف حرجة. ومن هنا كانت جلسات قمم المعرفة في دورات الأعوام 2017 ، و 2018 ، و 2019 ، زاخرة بالنتاجات التي سنسلط الضوء على أهم مخرجاتها لتكون في متناول أهل الاختصاص من خلال هذا الملخص.

بعدٌ تنموي

ومن هذا المنطلق كانت جلسة قمة المعرفة في العام 2017 لتلقي الضوء على هذا المؤشر وأهميته التي تكمن في التمكين من الحكم على مدى الاقتراب والابتعاد عن المعرفة والمقارنة مع بقية دول العالم من حيث القرب والبعد عن المستوى المعرفي. إذ أوضح الأستاذ الدكتور معتز خورشيد وزير التعليم العالي والبحث العلمي الأسبق في مصر، أن هناك نوعيات مختلفة من البحث العلمي، حيث تنقسم البحوث العلمية إلى: بحوث أساسية، وتقييم تجريبي، ولا بد من الأخذ في الاعتبار المؤسسات المنتشرة في البحث العلمي والتي لها تأثير في طبيعة المعرفة انعكاساته على الجميع. وهناك بُعد تنموي لهذا البحث العلمي، وهناك بعض المؤشرات التي تتناول الطلب كأنها خدمة اقتصادية تقدَّم للمجتمع، وهي خدمة ذات طبيعة خاصة لا تخضع لقواعد العرض والطلب بصفة أساسية لكنها تتأثر بقوى العرض والطلب للبحث العلمي.

وقد أكدت الجلسة أن الابتكار يفترض أن دورة البحث والتطوير هي دورة متكاملة تبدأ في استكشاف الرؤى البحثية وتنتهي بمنتج يتم تسويقه والمتاجرة به؛ وبالتالي في هذا المجال لدينا الابتكار في المراكز والبحوث العلمية ولكنه بخلاف الابتكار في الدورة المتكاملة للبحث والتطوير التي تحوِّل الابتكار إلى منتَج يمكن المتاجرة به ولكن إذا كنا نسعى في إطار البحث العلمي إلى الابتكار ولدينا بنية بحثية ذات طبيعة خاصة كما رأينا في الجامعات والمكتبات المختلفة هناك المنتجعات البحثية ومراكز الابتكار التكنولوجي التي دورها الأساسي يكمن في ربط الصناعة بالابتكار العلمي؛ ومن ثم ينتج عنها الانتقال من مرحلة البحث العلمي الأساسي إلى أساسيات البحث العلمي المفترض في هذا المجال.

أحمد بالهول الفلاسي

● يواجه التعليم العالي تحدياً كبيراً لتهيئة الطلاب للتكيف مع متطلبات سوق العمل بين الوظائف التي اندثرت في عصرنا الحالي وأخرى في طريقها للاندثار.

● التحدي الكبير الذي يواجه السياسيين وصناع القرار، هو كيفية تحفيز المواطن ليدخل قطاع البحث العلمي وتحفيز القطاع الخاص كي يستثمر في البحث العلمي، وسنطلق مبادرة قريباً لتعزيز البحث العلمي من الناحية الإبداعية. التحديات باختصار هي جودة التعليم، والبحث العلمي.

تعليم تكاملي

الدكتور علي إبراهيم، الأستاذ المساعد بجامعة الإمارات، بين أنه أولاً بالنسبة للقطاعات الستة، بالإضافة إلى القطاع التمكيني، عندما تصورناها لم نتصوَّرها باعتبارها جزراً منعزلة؛ بل تتأثر بالآخر وتؤثر فيه، وكذلك المؤشر التنموي، لا يمكن الحديث عنه بمعزل عن العلماء، ولا يمكن الحديث عنهم دون الحديث عن التعليم العالي، ولا يمكن الحديث عن التعليم العالي دون الحديث عن التعليم قبل الجامعي، وبعد النقاش مع الخبراء تم التوافق على رؤية واحدة ومنهجية موحدة والمؤشر المركب مكون من قطاعات متعددة. في واقع الأمر كان للخبراء الحرية في تبنِّي المنهجيات حسب كل قطاع، ونحن في مجال التعليم العالي لم نستطع التحدث عن مؤشر التعليم العالي دون الرجوع إلى الكتابات والمؤشرات السابقة، وأعتقد أنه كانت هناك حرية لكل خبير أن يستخدم المنهجية التي يريدها. لكن مرة أخرى يجب عدم التوقف عند المؤشر، وهذا ما حدث مع مؤشر المعرفة السابق الذي تم إطلاقه إذ توقفنا عند الأرقام دون إجراء دراسات تحليلية متعمقة؛ فكل بلد تقوم بدراسة قطاع معين فيه إذا كان يرغب في التنمية والتطوير.

قطار الرقمنة

الدكتور هوجو هولاندرز، الاقتصادي والباحث، وكبير محرري لوحة نتائج الابتكار في المفوضية الأوروبية، أوضح أن اللغة مهمة جداً في موضوع المعرفة، ولكن أهم من ذلك ما تفعله بالمعرفة؛ فيجب أن تستخدم المعرفة في معرفة أشياء جديدة، يجب أن تخلق قيمة مضافة ووظائف أفضل وتحوِّل الاقتصاد إلى اقتصاد رقمي، ويجب الأخذ بكل مظاهر التقدم العلمي والقفز إلى قطار الرقمنة، وإقامة نماذج جديدة من الأعمال والخدمات. يجب أن نكون مبدعين وخلَّقين، وأن نستخدم العلوم الموجودة في بلادنا، وهذا أمر ضروري يجب الأخذ به والسعي له، وعليك معرفة ما يجري في دولتك وتقييم الأحداث. لدينا مؤشر يتحدث عن الإبداع والابتكار وهو يستهدف رؤية المستقبل إلى 2020 الذي سيعتمد على العنصر البشري بنسبة %3 ، والنسبة المتبقية للمنتجات والمعدات والآلات. وقد أُسنِد الأمر إلينا لنقيس المخرجات والنتائج لمؤشر الإبداع، وهناك نظام للتعقيبات موضوعي وقوي.

فاطمة الشامسي

● ينبغي إتاحة فرص التعليم للجميع بهدف خلق قوة بشرية قادرة على الاستفادة من المعلومات والمعارف المتوافرة ومشاركتها، وأن يكون النظام المؤسسي والاقتصادي محفزاً وداعماً يسعى إلى خلق المعارف وتطويرها والاستفادة منها بفاعلية وكفاءة، ويجب أن يكون هذا النظام محفزاً وداعماً للتعليم والتطوير المهاري للطلبة.

● ينبغي أن ندرك أن اقتصاد المعرفة أصبح يعتمد على تلك الموارد غير الملموسة التي تهتم بالمعارف والمهارات والابتكار، والسبيل إلى تلبية متطلبات اقتصاد المعرفة هو وضع نظام تعليم متميز يأخذ هذه المتطلبات في الاعتبار، ويسعى إلى تخريج القوة البشرية القادرة على توظيف هذه المعارف والمعلومات وتطويرها وكذلك تبادل الآراء ويقتضي ذلك الارتباط بالقيم الثقافية، ووضع القواعد التي نرتكز عليها من أجل استدامة اقتصاد المعرفة وتطويره.

مسرع التنمية المستدامة

إن التعليم هو الأساس الذي يبنى عليه الإنسان المتحضر، وهو الأداة الأولى في سبيل الوصول إلى التنمية المستدامة المنشودة، من هنا كان لا بد أن يكون هذا العنصر الأساسي في العملية التنموية يتمتع بالجودة والشمولية ليعم النفع جميع الأفراد للاستفادة من الطاقات الكامنة في الشعوب التي منها تنطلق النهضة نحو غد أفضل. من هنا كان «التعليم كمسرع للحلول المستدامة » على رأس اهتمامات نقاشات قمة المعرفة 2019 .

ينبغي أن تخلق المعرفة
قيمة مضافة ووظائف أفضل
وتحوِّل الاقتصاد إلى اقتصاد
رقمي

وقد مثلت مخرجات جلسات القمة الخاصة بالتعليم خريطة طريق واضحة المعالم نحو تطوير التعليم في العالم العربي ومواجهة كافة التحديات والعقبات، ومن أهم النتائج التي نتجت عن تلك الجلسات:

 1. المشكلة الرئيسة التي تواجه النظام التعليمي تتمثل بكونه يدار ليبلي احتياجات الكبار الآنية دون النظر لاحتياجات الطلاب المستقبلية.

2. اقترح إطلاق منظومة اختبارات على المستويين الدولي والإقليمي للوقوف على مستويات قطاع التعليم في كافة الدول، وبالتالي العمل على الارتقاء بمنظومة التعليم في الدول التي تمتلك مؤشرات محدودة.

3. أهمية التركيز على تعليم الطلاب المهارات عوضاً عن تلقينهم المعارف.

 4. تلعب مخرجات التعليم الجامعي دوراً محورياً في تعزيز نسب البطالة بين الخريجين الجدد كونهم عند تخرجهم يفتقرون إلى المهارات اللازمة للنجاح في سوق العمل.

5. ينبغي للقائمين على الأنظمة التعليمية إدراك أهمية التطلع إلى المستقبل عوضاً عن الرجوع إلى الماضي عند إطلاق المناهج الجديدة.

6. يجب أن تتفرد كل دولة بتوضيح تفردها وهويتها الثقافية عبر مناهجها التعليمية، إلى جانب تعزيز مبادئ المواطنة العالمية.

7. دور المؤسسات التعليمية في زيادة الوعي وإظهار القدرات الكامنة التي يملكها أصحاب الهمم، والعمل على تغيير الصورة النمطية السائدة بأنهم أشخاص غير قادرين على الاندماج والمشاركة وتوسيع قاعدة الاهتمام بهذه الفئة في مختلف شرائح المجتمع.

8. ضرورة التركيز في العمل الإعلامي على تناول التجارب الشخصية الملهمة لأصحاب الهمم وتسليط الضوء على قصص النجاح وتغيير المفاهيم السائدة داخل المجتمعات، والنظرة السلبية لهم والتركيز على دورهم في المجتمع المحيط.

جيف أوتيت

● المشكلة أنه عندما يحين الوقت لتغيير نظام التعليم برمته تواجهنا صعوبات وحواجز نفسية لدى المدرسين وأولياء الأمور والمسؤولين الذين يقارنون بين النظام الجديد ونظامهم القديم الذي عهدوه؛ ولذلك نسعى إلى إحداث تحولٍ جذريٍّ في فهمنا لمفهوم المعرفة.

● يمكننا تغيير المناهج الدراسية كيفما نشاء، لكن دون أن نلمس أي تغيير حقيقي؛ فالأهم تغيير طريقة التعليم، وليس المحتوى.