التمويل الرقمي للنهوض بالتنمية في مرحلة ما بعد الجائحة

باتريك نجوروج

نيروبي- قال الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريس، في خطاب ألقاه أخيراً، "إنَّ العالم يعيش أكبر تراجع في متوسط دخل الفرد منذ 1870"، وأضاف محذراً أنَّ أزمة فيروس كورونا، كوفيد-19، قد عرّضت 70 إلى 100 مليون شخص لخطر الدفع بهم نحو براثين الفقر المدقع. وسيتطلب منع هذه النتيجة اتخاذ إجراءات متضافرة وشاملة لإعادة تنشيط الاقتصاد العالمي، وإعادة بنائه بطريقة مستدامة وشاملة. ويمكن أن تضطلع التكنولوجيا- خاصة أدوات المعاملات المالية الرقمية الجديدة- بدور مهم في هذه العملية.

وخلال جائحة كوفيد-19 كانت الخدمات الرقمية– بما في ذلك التطبيب عن بُعد، والعمل عن بُعد، والتعلُّم عبر الإنترنت- شُريان حياة لملايين الأشخاص الذين شملتهم إجراءات الإغلاق، وتلقوا أوامر البقاء في منازلهم. وكانت المعاملات المالية الرقمية ضرورية لتسهيل العديد من هذه العمليات، حيث مكَّنت الناس من دفع ثمن السلع والخدمات، وتلقي تعويضات عن عملهم، والحصول على منحات المساعدة الاجتماعية، وتأمين الدعم المالي، مثل القروض المصرفية، لإنقاذ أنشطتهم التجارية المتعثرة.

وحتى قبل الوباء، كان هناك إدراك متزايد بالحاجة إلى تسخير قوة التمويل الرقمي لصالح الكوكب وسكانه. وفي الواقع، كان هذا هو الهدف الرئيس لفريق عمل الأمين العام للأمم المتحدة المعني بالتمويل الرقمي لأهداف التنمية المستدامة، والذي عملتُ فيه طوال الأشهر الـ 18 الأخيرة.

ويضم فريق العمل وزراء حكوميين، ورجال أعمال في مجال التكنولوجيا، ورؤساء البنوك التنفيذيين، والمؤسسات الاستثمارية، وممثلي المجتمع المدني، ومسؤولي المؤسسات المتعددة الأطراف، والقادة المثقفين. ولكن تقريرنا النهائي القادم "أموال الناس: تسخير الرقمنة لتمويل مستقبل مستدام" يركز على احتياجات الناس العاديين.

وخلُص التقرير إلى أن النظام المالي يجب أن يخدم المواطنين بصفتهم مدخرين، ومستثمرين، ومقترضين، ودافعي ضرائب. ويجب أيضاً أن يعزز التكنولوجيا الرقمية لإعادة الأشخاص إلى مراكز القيادة في شؤونهم المالية، حتى يتمكَّنوا من الاستثمار في أنفسهم، وعائلاتهم، ومجتمعاتهم، وبلدانهم، وكوكبهم. وينبغي على الحكومات، والهيئات التنظيمية، والمؤسسات المالية، دعم تكنولوجيات التغيير المفاجئ وتسهيلها حتى نبلغ ذلك الهدف.

وهناك بالفعل نماذج مفيدة فيما يتعلق بهذه التكنولوجيات. إذ قادت إفريقيا- خاصة بلدي، كينيا- الطريق نحو اعتماد التكنولوجيا المالية، بدءاً بالأموال عبر الهاتف المحمول. وكانت M-Pesa (تحويل الأموال عبر الهاتف المحمول) في كينيا- خدمة تحويل الأموال، والمدفوعات، وخدمات التمويل الصغرى عبر الهاتف المحمول- قوة فعالة لتوسيع نطاق الشمول المالي. إذ منذ عام 2006، ارتفعت نسبة سكان كينيا الذين يتمتعون بإمكانية الوصول إلى الخدمات المالية من 26٪ إلى أكثر من 82٪.

واعتمدت الوكالات الحكومية أيضاً نظام المدفوعات عبر الإنترنت- وهو تطور عزز ثقة الناس في الخدمات المالية الرقمية. واليوم، تشكِّل المعاملات المالية عبر الهاتف المحمول أكثر من 90٪ من المدفوعات على منصة الحكومة الإلكترونية المركزية في كينيا (eCitizen).

لقد أدت الابتكارات التي مكنتها الحكومة والبنك المركزي، إضافة إلى نهج التعلم بالممارسة، دوراً رئيساً في الدفع بعجلة هذا التقدُّم. فعلى سبيل المثال، يعدُّ سند M-Akiba (م-أكيبا) الكيني، الذي أصدر عام 2017، أول سند حكومي في العالم للجوال فقط. وعلى عكس السندات الحكومية الحالية، التي تطلبت حداً أدنى للشراء يبلغ 50000 شيلينغ كيني (460 دولارًا)، يسمح "م-أكيبا" للمواطنين باستثمار مبلغ ضئيل يصل إلى 30 دولاراً. ونتيجة لذلك، أصبحت أسواق رأس المال في كينيا في متناول عامة السكان، بينما فتحت الحكومة قاعدة مستثمرين جديدة تماماً. وليس مفاجئاً أنَّ 85٪ من الأشخاص الذين استثمروا في عرض "م-أكيبا" الأولي كانوا يشترون السندات الحكومية لأول مرة.

ومع ذلك، رغم أنَّ كينيا- إلى جانب العديد من البلدان الإفريقية الأخرى، مثل رواندا وجنوب إفريقيا وسيشيل- قد قطعت أشواطاً كبيرة قبل أن تغتنم فرص التكنولوجيا المالية، إلا أن الطريق لا يزال طويلا أمامها. إذ في وقت أصبحت فيه الاقتصادات متشابكة بصورة متزايدة، وأصبحت نماذج الأعمال الرقمية تتطلب وفورات الحجم الكبير لتزدهر، من الضروري إنشاء أنظمة تمويل رقمية إقليمية؛ بل وعالمية.

ويقوم البنك المركزي الكيني بدور رائد في هذه العملية. وبالتعاون مع سلطة النقد في سنغافورة، نتعلم كيفية تعزيز قطاع التكنولوجيا المالي حتى ينبض بالحياة، ويمتد عبر إفريقيا وآسيا.

وكلما كان هذا القطاع ديناميكيا وواسع النطاق، كان ذلك أفضل لشعوبنا. إذ في النهاية، إدماج من لم يسبق لهم امتلاك حساب بنكي في النظام المالي، يدعم بصورة مباشرة النمو الاقتصادي وخلق فرص عمل لائقة، ويحد من عدم المساواة الاقتصادية، والفقر، والجوع. وإلى جانب ابتكارات التمويل الرقمي الجديدة، يمكن أن يؤدي المزيد من الإدماج إلى توسيع نطاق الوصول إلى التعليم الجيد، والمياه النظيفة، وخدمات الصرف الصحي، وغير ذلك، ومن ثمَّ، تحسين الصحة والرفاهية بصورة عامة.

وفضلاً عن ذلك، من خلال تعزيز قدرة الأسر على الادخار، يخلق الشمول المالي المزيد من رأس مال أكثر قابلية للاستثمار في إقراض المؤسسات الصغرى والمتوسطة الحجم، وتمويل تطوير البنية التحتية الخضراء. كما تساعد الابتكارات المالية الرقمية التي تربط بين الأشخاص، وبين المعاملات المالية، وبين البيانات على إطلاق هذه الاستثمارات.

ومع ذلك، فإن ضمان خدمة التمويل الرقمي للناس بصورة حقيقية، سيتطلب رقابة فعّالة. إذ عندما يحصل الناس على التمويل لأول مرة، يصبحون عرضة للتلاعب، والاستغلال. ويحدث هذا على نطاق واسع، حيث يزيد تركيز السوق من قوة منصات التمويل الرقمي الكبيرة، التي يعمل العديد منها بالفعل على مستوى العالم.

وما لم تخضع تلك المنصات للتنظيم والرصد المناسبين، ستكون العواقب وخيمة، ليس فقط على المستخدمين الأفراد، ولكن أيضاً على النمو الاقتصادي المستدام والشامل. وسوف تتحمَّل الاقتصادات النامية وطأة هذه الإخفاقات.

إنَّ أزمة كوفيد-19 مأساة؛ ولكنها فرصة للتغيير أيضاً. إذ بعد عقود من عدم المساواة المتزايدة والاستثمار غير المستدام، أصبح لدينا الأدوات والمعرفة اللازمة للقيام بعمل أفضل. إننا بحاجة إلى الإرادة فقط لاستخدامها.

ترجمة: نعيمة أبروش   Translated by Naaima Abarouch

يشغل باتريك نجوروج منصب محافظ البنك المركزي الكيني.

حقوق النشر: بروجيكت سنديكيت، 2020.
www.project-syndicate.org