«المركزي الأوروبي» وآفاق الاقتصاد

هارولد جيمس

صادف في هذا الشهر مرور ذكرى سنوية على جانب كبير من الأهمية. في السادس والعشرين من يوليو، أعلن الرئيس الجديد نسبياً للبنك المركزي الأوروبي ماريو دراجي أن «البنك المركزي الأوروبي على استعداد للقيام بكل ما يلزم للحفاظ على اليورو. وصدقوني، سيكون ذلك كافياً». كانت خطوة بارعة (ومرتجلة غالباً)، حيث زودت دراجي بسمعته المستحقة كمنقذ لليورو.

قبل خمسة أيام فقط من الذكرى السنوية التي تحل هذا الشهر، أعلن البنك المركزي الأوروبي عن خطوة أخرى من المحتمل أن تغير كل القواعد. من خلال أداة حماية النقل الجديدة، سيسعى البنك إلى تقليص الفوارق بين سندات البلدان الأعضاء الحكومية في الحالات حيث ترتفع العائدات بسبب ضغوط السوق أو المضاربة، وليس بسبب مشكلات جوهرية ترتبط بالاستدامة الاقتصادية. من قبيل المصادفة أن دراجي استقال من منصب رئيس وزراء إيطاليا في ذات اليوم.

في شهر يوليو من عام 2012، سعى البنك المركزي الأوروبي إلى الالتفاف حول سؤال أساسي: ما هي الشروط التي ينبغي لأي بنك مركزي أن يفرضها عندما يشتري سندات حكومية؟ هل ينبغي لمؤسسة غير منتخبة تحمل تفويضاً لضمان استقرار الأسعار أن تقرر أيضاً أي الحكومات والمؤسسات الوطنية التي يجب أن تتلقى التمويل؟ ألقت هذه التساؤلات بثقلها على أذهان المنتقدين الذين يخشون أن يطمس البنك المركزي الأوروبي التمييز بين صنع السياسات المالية والنقدية.

لكن فرض شروط صارمة على الحكومات ينطوي على مخاطر أيضاً، لأنه عمل لا يخلو من إذلال في حقيقة الأمر. الواقع أن الحكومة التي يُـنـظَـر إليها على أنها تخضع لوكالة فوق وطنية قد تفقد شرعيتها بسهولة. تقدم لنا كلمة «kowtow» (الانحناء بخضوع) دليلاً إلى السبب وراء ذلك: يشير هذا المصطلح، المأخوذ من اللغة الصينية إلى اللغة الإنجليزية، إلى طقس يتسم بالخضوع العميق ويرتبط بقوة بالتاريخ الاستعماري.

فرضت القوى الإمبريالية في القرن التاسع عشر على نحو منتظم التزامات مرهقة على مستعمراتها وأنشأت أنظمة شاملة لمراقبة الوفاء بهذه الالتزامات. من الأمثلة الكلاسيكية هنا إدارة الجمارك الصينية التي كان الغرب يديرها وعمليات تحصيل الإيرادات التي فرضتها بريطانيا وفرنسا على الإمبراطورية العثمانية تحت إشراف إدارة الدين العام العثمانية.

اليوم، لا تزال إيطاليا في قلب أزمة الديون التي طال أمدها في منطقة اليورو، بسبب تركيبة تجمع بين ضخامة حجم هذه الديون، وارتفاع التزاماتها، والغياب شبه التام للنمو. عندما بدأت أزمة اليورو في اليونان في عام 2010، كان من الممكن التعامل معها بسرعة من خلال إعادة جدولة أو هيكلة الديون. لكن هذا لم يحدث، لأن صناع السياسات كانوا راغبين في تجنب انتقال العدوى بين اقتصادات منطقة اليورو الأكبر حجماً والتي تعاني أيضاً من مستويات عالية من الديون ــ وبالتحديد، إيطاليا.

في قمة مجموعة العشرين التي استضافتها مدينة كان في عام 2011، ضَـغَـطَ الرئيس الأمريكي سابقا، باراك أوباما على إيطاليا لحملها على التقدم لبرنامج رسمي مع صندوق النقد الدولي أو مؤسسات الاتحاد الأوروبي لضمان استمرارها إلى النهاية في تنفيذ السياسات اللازمة لجعل أعباء ديونها مستدامة. لكن رئيس وزراء إيطاليا الجديد، ماريو مونتي، التكنوقراطي الذي حظي بقدر كبير من الاحترام، قاوم بشدة هذا المطلب، لأنه كان يريد إثبات أن إيطاليا ناضجة بالقدر الذي يسمح لها بالتعامل مع الإصلاحات المعقدة دون الاستعانة بأحد.

تكمن عبقرية الحل الذي أتى به دراجي في عام 2012 في برنامج البنك المركزي الأوروبي الذي حمل مسمى غريباً، «المعاملات النقدية الصريحة»، والذي يمكنه فعلياً فرض شروط بعينها على البلدان الأعضاء دون تطبيقه فعلياً على الإطلاق.

عملت أسعار الفائدة المنخفضة على تعزيز تعليق المشروطة الرسمية على هذا النحو وجعلت الأمر يبدو ناجحاً ببراعة. ثم اندلعت جائحة (كوفيد 19)، التي ضربت إيطاليا في وقت سابق وبقدر من الشدة لم تشهده أي دولة أوروبية أخرى. وعلى عكس الأزمات السابقة، لم يكن من الممكن إلقاء اللوم على الحكومة الإيطالية أو أي إخفاقات سياسية سابقة. خلقت جائحة (كوفيد 19) والدفع باتجاه «التعافي الأخضر» الأوروبي الفرصة لسياسات جديدة مبنية حول ميزانية مركزية للاتحاد الأوروبي وموارد مالية جديدة.

الآن، ستجعل أداة حماية النقل الحياة أكثر صعوبة لأي حكومة إيطالية، لأنها تعني أنه لم يعد من الممكن التلاعب بالشروط. انطلاقاً من معايير الأهلية التي أوضحها البنك المركزي الأوروبي في بيانه الصحافي في الحادي والعشرين من يوليو، لا توجد ببساطة ظروف يمكن في ظلها توظيف أداة حماية النقل لإدارة التداعيات التي تخلفها تطورات غير اقتصادية مثل انهيار اتفاقية الائتلاف. وهذا يعني فضلاً عن ذلك أن الإيطاليين سيجدون أنفسهم أمام اختيار محير عندما يذهبون إلى صناديق الاقتراع في سبتمبر لانتخاب حكومة جديدة، لأن أي حكومة يمينية تأتي خلفاً للحكومة الحالية من غير المرجح أن تجد أي حيز للمناورة.

في الأمد البعيد، ستحتاج أوروبا إلى برنامج أكثر رسمية يعمل من خلال مؤسسات حكومية دولية وليس مؤسسات نقدية. من الممكن تحقيق هذه الغاية من خلال إسناد دور أكبر لآلية الاستقرار الأوروبية.. في كل الأحوال، سيكون المقصود تجاوز البنك المركزي الأوروبي وإنهاء التجربة التي دامت عقوداً من الزمن من التظاهر بعدم وجود شروط في ما يرتبط بالإبقاء على أعضاء منطقة اليورو المتنوعين معاً. من الواضح أن أي برنامج من هذا القبيل يتطلب موافقة سياسية صريحة من البلدان الأعضاء. وإذا اعتمد على عدم الجدية، فلن يختلف إلا قليلاً عما جاء من قبل.

 

* أستاذ التاريخ والشؤون الدولية في جامعة برينستون.