السعي من أجل التوصل لصفقة لإنقاذ المحيط

هيلين كلارك، ارانشا غونزاليس، سوسانا مالكورا، جيمس ميشيل

أوكلاند، مدريد، فكتوريا، انسي رويال – يغطي المحيط أكثر من 70% من سطح كوكبنا وينتج نصف الأكسجين الذي نتنفسه ويطعم مليارات من البشر ويوفِّر مئات الملايين من الوظائف كما أنه يلعب دورًا رئيسًا في التخفيف من التغير المناخي: أكثر من 80% من دورة الكربون العالمية تمر من خلال المحيط ولكن هذا المورد الطبيعي الثمين من الممكن أن يُهزم، وعلى الرغم من جميع الفوائد التي يمنحنا إياها المحيط ، فإنه يواجه اليوم أزمات غير مسبوقة من صنع الانسان وهي أزمات تهدد سلامته وقدرته على استدامة الحياة على الأرض.

إنَّ التهديد الأكبر للتنوع البيولوجي البحري هو الصيد الجائر. يتعرض أكثر من ثلث مخزون السمك العالمي للصيد الجائر و 60% أخرى يتم صيدها بالكامل وفي كل عام تشجع الحكومات حول العالم الصيد الجائر من خلال توفير 22 مليار دولار أمريكي على شكل دعم مالي مضر بقطاع مصايد الأسماك، وعلى الرغم من أنَّ الهدف من ذلك الدعم المالي هو المساعدة على دعم المجتمعات الساحلية، فإنه يدعم عوضًا عن ذلك نشاط صيد الأسماك غير الربحي وغير القابل للاستدامة، مما يؤدي إلى نضوب المورد الذي يعتمد عليه السكان المحليين في تأمين سبل عيشهم.

إنَّ هذه المشكلة ليست جديدة، وفي واقع الأمر يحاول أعضاء منظمة التجارة العالمية التفاوض على صفقة من أجل الحد من تلك الدفعات المضرة منذ 2001. ولقد أعاد قادة العالم تأكيد التزامهم بالتصدي لتلك المسألة عندما اتفقوا على أهداف التنمية المستدامة سنة 2015  وبموجب هدف التنمية المستدامة 14 والذي يهدف إلى وضع سلامة المحيط في قلب أجندة التنمية المستدامة العالمية، وعد القادة بحلول سنة 2020 أن يتوصلوا إلى اتفاقية في منظمة التجارة العالمية تخفِّض من الدعم المالي لقطاع مصايد الأسماك، ولكنهم لم يتمكَّنوا من الوفاء بذلك الموعد النهائي حيث تباطأت المفاوضات خلال أسوأ مراحل جائحة كوفيد-19.

تظهر الأبحاث أنَّ أعضاء منظمة التجارة العالمية لو أرادوا القضاء على الدعم المالي المضر لمصايد الأسماك – وهو السيناريو الأكثر طموحًا- فإنَّ الكتلة الحيوية العالمية للأسماك يمكن أن تزيد بنسبة 12،5% بحلول سنة 2050، وهذا يعني 35 مليون طن متري إضافي من الأسماك أو أكثر من أربعة أضعاف الاستهلاك السنوي من الأسماك في أمريكا الشمالية في عام 2017 وهذا تقدير متحفظ. إنَّ إلغاء الدعم المالي المدمر يعني حقًّا المزيد من الأسماك في البحر.

إنَّ الهدف هو ليس إزالة الدعم المالي عن مجتمعات صيادي الأسماك، بل إعادة توجيه ذلك الدعم بطريقة هادفة وأقل ضررًا، وحتى لو لم تتمكَّن الصفقة من إزالة جميع أشكال الدعم المالي الضار، فإنها ستخلق إطارًا عالميًّا للمساءلة والشفافية فيما يتعلَّق ببرامج الدعم المالي وهذا بدوره سوف يعزز الحوار بين الحكومات ومجتمعات صيادي الأسماك وغيرهم من المعنيين بهذا الأمر وذلك من أجل تحفيز تطوير سياسات يتم إعادة صياغتها، بحيث تدعم بشكل أكبر الصيادين، وفي الوقت نفسه تحمي الأماكن التي تعدُّ مشاعًا للجميع مثل المحيطات.

إضافة إلى ذلك، فإنه يمكن التوصُّل لمثل تلك الاتفاقية لو توافرت الإرادة السياسية لتنفيذها. لقد نتج آخر فشل في المفاوضات عن الخلافات حول كيفية هيكلة المرونة في أنظمة الدعم للبلدان النامية، وكذلك كيفية تحديد وإنفاذ القواعد المتعلقة بالصيد غير المشروع والمخزونات المستدامة، ولكن بعد عدة مقترحات ومناقشات فإنَّ المسودة الشاملة الموجودة على الطاولة الآن تجمع بين الإجراءات للحد من أشكال الدعم المالي المضرة مع استثناءات محددة للبلدان النامية.

مع بدء المؤتمر الوزاري الثاني عشر لمنظمة التجارة الدولية في جنيف بعد عدة أيام، فلقد حان الوقت للتوصُّل لصفقة. إنَّ الفشل في إبرام صفقة لن يضرَّ بالمحيط وسبل عيش أولئك الذين يعتمدون عليه فحسب، بل إنه سيضعف كذلك النظام العالمي القائم على الأحكام ويضرُّ بالمساعي المبذولة لتحقيق أجندة 2030 للتنمية المستدامة. وعلى النقيض من ذلك فإنَّ إنهاء الدعم المالي المضر لمصايد الأسماك سوف يقلل من الضغوطات المتراكمة على المحيط ويزيد من مرونته وصلابته في مواجهة التغير المناخي.

يجب على الحكومات في أعقاب مؤتمر التغيُّر المناخي (مؤتمر الأطراف 26) في غلاسكو أن تظهر رغبتها في استخدام جميع الأدوات التي بحوزتها من أجل التصدي لأزمة المناخ، وربما ما هو موجود على المحك في المؤتمر الوزاري القادم لمنظمة التجارة العالمية أكبر من أي وقت مضى. إن مستقبل التعاون التجاري متعدد الطراف في خطر ولكن الأهم من ذلك كله أنَّ الوظائف والأمن الغذائي وسلامة الأماكن التي تعدُّ مشاعًا للجميع هي جميعًا على المحك.

لهذا السبب نجد 33 من القادة الحكوميين والوزراء السابقين من جميع أنحاء العالم قد وحّدوا قواهم مع ما يقرب من 400 عالم من أجل حث أعضاء منظمة التجارة العالمية على "استخدام تفويضهم السياسي لحماية سلامة المحيط ورفاهية المجتمع".

لقد أعطت الحكومات كلمتها بأنها سوف تحدُّ من الدعم المالي المدمر في قطاع مصايد الأسماك. إنَّ الاجتماع الذي سيعقد في الأسبوع القادم في جنيف سوف يختبر مصداقية ذلك التعهد.

هيلين كلارك، رئيسة وزراء سابقة في نيوزيلندا (1999-2008). أرانشا غونزاليس وزيرة خارجية إسبانيا السابقة (2020-2021). سوزانا مالكورا وزيرة خارجية الأرجنتين السابقة (2015-2017 ). جيمس ميشيل رئيس سابق لجمهورية سيشل

(2004- 2016)

حقوق النشر: بروجيكت سنديكت ،2021
www.project-syndicate.org