الـصِـلة بين الديون والمناخ

المصدر: يو فين لي * ماريا فرناندا إسبينوزا ** أولريش فولز ***

كان نوفمبر شهراً حافلاً بالتعاطي مع سياسات تغير المناخ. ففي حين كان صناع السياسات يحاولون إحراز تقدم ملموس في مؤتمر الأمم المتحدة لتغير المناخ (مؤتمر الأطراف 27)، الذي استضافته مدينة شرم الشيخ في مِـصـر، اجتمع قادة العالم في بالي بإندونيسيا، لحضور قمة مجموعة العشرين. وبينما لم تركز أي من القمتين على الاقتران بين الأزمات البيئية، وأزمات الديون التي تجتاح حالياً قسماً كبيراً من الجنوب العالمي، فقد حققت كل منهما تقدماً في تزويد البلدان النامية بالدعم المالي الذي تحتاج إليه، للتغلب على العاصفة الحالية.

في بالي، كرر قادة أكبر اقتصادات العالم، في أغلب الأمر، التأكيد على مواقفهم السابقة بشأن أزمة الديون، مع تعديلات طفيفة فقط. ولكن في مؤتمر الأطراف 27، تمكنت البلدان الأصغر حجماً من جعل أصواتها مسموعة، والتأكيد على الحاجة إلى اتخاذ إجراءات دولية بشأن تخفيف أعباء الديون. على سبيل المثال، ناشدت رئيسة وزراء باربادوس، ميا موتلي، المجتمع الدولي، تقديم المساعدة للبلدان المعرضة للمخاطر بسبب تغير المناخ. تقترح «أجندة بريدجتاون»، التي تقدمت بها موتلي، خطة من ثلاث خطوات لمعالجة أزمة العالم النامي، بما في ذلك ضخ السيولة الطارئة من قِـبَـل صندوق النقد الدولي، والإقراض المعزز من قِـبَـل بنوك التنمية المتعددة الأطراف، وآليات التمويل الجديدة.

لم تكن موتلي بمفردها في تقديم الحجة لصالح معالجة ضائقة السيولة المتنامية. فقد اقترح الرئيس الكولومبي، جوستاف بيترو، أن يبدأ صندوق النقد الدولي برنامج مقايضة الديون مقابل الاستثمار، وهذا البرنامج من شأنه أن يساعد في التعجيل بتنفيذ مشاريع التكيف مع تغير المناخ، والتخفيف من تأثيراته في البلدان النامية. ولكن في نهاية المطاف، كان الإنجاز الأعظم الذي تحقق في مؤتمر الأطراف 27، متمثلاً في قرار إنشاء صندوق الخسائر والأضرار، الذي يهدف إلى مساعدة البلدان النامية على التخفيف من أسوأ الآثار المترتبة على تغير المناخ.

ولكن كيف أصبحت الديون المشكلة الأكثر تداولاً في مؤتمر يتناول مكافحة تغير المناخ؟ تسببت الحرب في أوكرانيا، بتعطيل أسواق الطاقة والغذاء، ما أدى إلى ارتفاع كبير في الأسعار في مختلف أنحاء العالم. ولكن في حين كافحت البلدان المتقدمة في التصدي للتأثيرات المترتبة على التضخم المرتفع، فإن البلدان النامية المستوردة للطاقة، كانت الأشد تضرراً. فقد استُـنزِفَت احتياطياتها من النقد الأجنبي بسرعة، ما أجهد الموارد المالية العامة ــ المنهكة بالفعل بعد عامين ونصف العام من جائحة «كورونا» ــ إلى نقطة الانهيار. وتسبب ارتفاع تكاليف الطاقة، في جعل تقنين الكهرباء وانقطاع التيار، من الأمور الشائعة على نحو متزايد، ما أدى إلى تفاقم المحنة الاقتصادية في البلدان الأقل دخلاً.

ما زاد من تفاقم مشكلات هذه البلدان، أن الزيادات الحادة في أسعار الفائدة من جانب بنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، عملت على تعزيز قوة الدولار، وأجبرت غيره من البنوك المركزية الرائدة، على السير على خطاه. في البلدان النامية المكافحة، لم تكن إدارة التداعيات المترتبة على الكوارث البيئية المرتبطة بالمناخ، مثل الفيضانات وموجات الجفاف والعواصف الشديدة، أصعب مما هي عليه الآن قَـط، كما أُهـدِر قدر كبير من التقدم الاقتصادي والاجتماعي، الذي تحقق في العقود القليلة الماضية.

الآن، تترنح البلدان الأقل دخلاً، دون أي خطأ من جانبها، على حافة الهاوية الاقتصادية. وفقاً لصندوق النقد الدولي، فإن أكثر من ربع الاقتصادات الناشئة، إما تخلفت عن سداد ديونها، أو أصبحت سنداتها متداولة عند مستويات هزيلة. الواقع أن أكثر من 60 % من البلدان المنخفضة الدخل، إما انزلقت إلى ضائقة الديون، أو أصبحت عُـرضة لها بشدة. كما أفضى فشل الحكومات في الاستثمار في التكيف مع تغير المناخ، وتدابير تعزيز القدرة على الصمود، إلى تفاقم المخاطر السيادية، فضلاً عن دفع تكاليف رأس المال إلى الارتفاع، ما خلق حلقة مفرغة، من شأنها أن تزيد من حالة الشلل التي تمكنت من الموارد المالية العامة، والقدرة على تحمل الديون.

لم يتمكن إطار العمل المشترك التابع لمجموعة العشرين لمعالجة الديون، والذي يهدف إلى تخفيف أعباء الديون عن البلدان المتعثرة، من تسليم تدابير فَـعّـالة، وفي الوقت المناسب. علاوة على ذلك، يستبعد هذا الإطار البلدان المتوسطة الدخل، التي تفتقر إلى آلية لضمان مشاركة الدائنين من القطاع الخاص. بين البلدان الثلاثة التي تقدمت بطلب لمعالجة الديون ــ تشاد وإثيوبيا وزامبيا ــ توصلت تشاد فقط إلى اتفاق مع دائنيها، ولم يحدث هذا إلا بعد مفاوضات مضنية، دامت عامين كاملين، دون أن تحصل على أي شطب لديونها.

يركز قسم كبير من المناقشة الدائرة حول تغير المناخ والديون، على مقايضات الديون بالمناخ (المعروفة أيضاً بمسمى الديون مقابل الطبيعة)، والتي تمكن البلدان من شطب بعض ديونها، في مقابل تمويل مشاريع المناخ المحلية. ورغم أن مثل هذه الترتيبات، تمثل مصدر تمويل مرحب به لجهود الحفاظ الحرجة، فإن تكاليف معاملاتها المرتفعة، وحجمها المحدود، يجعلها غير مناسبة لمعالجة أزمة ديون ذات أبعاد جهازية.

إن وضع البلدان المستضعفة على المسار إلى اكتساب القدرة على الصمود في مواجهة تغير المناخ، وتنفيذ مشاريع التنمية الخضراء، من شأنه أن يعود بالفائدة على المدينين والدائنين، على حد سواء. لهذا السبب، يتعين على هيئات المجتمع الدولي، وبلدان مجموعة العشرين بشكل خاص، أن تتفق على مبادرة شاملة، لتخفيف أعباء الديون، والتي من شأنها أن تعمل على تمكين البلدان المنكوبة من تمويل المشاريع الخضراء، مقابل الإعفاء الجزئي من الديون.

يتعين على المجتمع الدولي أن يتجنب الأخطاء التي ارتكبها في التعامل مع أزمات الديون السابقة. إن بذل قدر قليل من الجهد، بعد فوات الأوان، لا بد أن يُـفضي إلى أزمات متتالية، عبر عشرات البلدان النامية، ما يهدد الاستقرار الاجتماعي والسياسي، ويزيد من عرقلة أجندة المناخ الدولية. وعلى هذا، فإن ضمان مستقبل منصف، نكتسب فيه جميعاً القدرة على الصمود في مواجهة تغير المناخ، يستلزم أن نسعى أولاً إلى تجنب كارثة الديون التي تلوح في الأفق.

 

* رئيسة الجمعية العامة للأمم المتحدة سابقاً، المدير التنفيذي للمجموعة الاستشارية «أصوات القيادات النسائية العالمية»

** أستاذ الاقتصاد ومدير مركز SOAS للتمويل المستدام التابع لكلية الدراسات الشرقية والأفريقية في جامعة لندن

*** كبير مستشاري شؤون التعاون بين بلدان الجنوب وتمويل التنمية في مركز الجنوب