التضخم في المجتمعات الغربية.. مخاطر واحتمالات

هارولد جيمس

تفتح منزلقات التضخم في العالم الغربي، أبواب احتمالات مخاطر اقتصادية واجتماعية كثيرة بفعل النظم الاقتصادية والبنى المجتمعية للدول الغربية.

ويجب العلم أن البنوك المركزية فيها ليست مستقلة بقدر ما تَـدَّعي. في كل من المملكة المتحدة والولايات المتحدة، استجابت الحكومة والبنك المركزي للضغوط السياسية التي نشأت بفعل انقسامات مجتمعية مستعصية في الظاهر. يثير مثل هذا الاستقطاب الشديد تساؤلات حول ما إذا كان بوسع الاتحاد السياسي أن يستمر. ومن ثَـمّ فإن الجدال من زمن السبعينيات حول عدم قابلية المملكة المتحدة للحكم يعود إلى الظهور الآن، حيث تتطلع كل من اسكتلندا وأيرلندا الشمالية إلى مسارات للخروج حتى يتسنى لها العودة إلى الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي.يبدو الأمر وكأن البلدان الصناعية الغربية انزلقت إلى حلقة زمنية متكررة بلا نهاية، حيث لا يعيد التضخم المرتفع على نحو غير متوقع ذكريات من سبعينيات القرن الماضي فحسب، بل وأيضاً مناقشات تلك الحقبة السياسية والشكوك السياسية التي صاحبتها. هل يُـعَـد التضخم دائماً وفي كل مكان ظاهرة نقدية، كما أصر ميلتون فريدمان؟ أو أنه نتيجة للتوسع المالي المفرط ــ أو مجرد عَـرَض من أعراض اختلال وظيفي ديمقراطي أكثر شمولاً؟

لم تكن مناقشات السبعينيات تدور فقط حول المسائل الفنية المرتبطة بإدارة الاقتصاد الكلي. بل أثارت أيضاً الشكوك حول استدامة وشرعية نموذج الديمقراطية الغربي. كان العالم محاطاً بانعدام الاستقرار الجيوسياسي، وقد أيدت الجمعية العامة للأمم المتحدة الدعوات التي طالبت بنظام اقتصادي دولي جديد.

مع ذلك، خلال فترات الإبداع النقدي، تزداد صعوبة التعرف على ماهية النقود. لن يجادل أحد في حقيقة مفادها أن الإبداع النقدي كان يتقدم بخطى شديدة السرعة على مدار العقد الأخير. ولكن ينبغي لنا أن نتذكر أن السبعينيات شهدت أيضاً ثورة مالية، والتي زادت من عدم وضوح الفوارق التي كان من الصعب تمييزها في السابق بين المال وغير المال. كان هذا جزئياً نتيجة للتضخم، وهو ما دفع عملاء البنوك إلى الفرار من الحسابات الجارية التي لا تحمل فائدة إلى بدائل مثل شهادات الإيداع أو الحسابات في البنوك غير التقليدية.

كان فريدمان راشحاً بالازدراء لكل الناخبين والساسة المحافظين الذين تصوروا أن السياسة المالية كانت مسؤولة عن التضخم. لكن هذا الازدراء لم يكن في محله، نظراً لوجود صِـلة حقيقية بين السياسة المالية والسياسة النقدية: كان العجز الحكومي المرتفع يمول من خلال البنك المركزي. وفي كل من الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، أصبح أصحاب المصلحة ينظرون إلى الخزانة والبنك المركزي على أنهما «سلطة تنفيذية موحدة للاقتصاد الكلي». كل من البلدين يعتبر نفسه قوة مهيمنة عالميا، وعلى هذا فقد سعى كل منهما إلى استخدام سيادته النقدية لتأمين مزايا على حساب بقية العالم.

في هذه الحالة، انتهت الحال بالولايات المتحدة والمملكة المتحدة إلى مستويات تضخم أعلى مقارنة بمعظم البلدان الصناعية الأخرى، ويتجلى ذات التمييز مرة أخرى في عام 2022. في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة بلغ التضخم أعلى مستوياته بين بلدان مجموعة السبع، وكل من البلدين أقر أيضاً حزم تحفيز مالي ضخمة بمساعدة البنك المركزي في الاستجابة لصدمة مرض فيروس كورونا 2019 (كوفيد19).

تُـعَـد المملكة المتحدة مثالاً مثيراً بشكل خاص على هذا. في السنة المالية الأولى من جائحة (كوفيد19)، اشترى بنك إنجلترا %99.5 من الدين الحكومي ــ وأكثر من 100% في العام التالي. في ظل هذه الظروف، ليس من المعقول أن نزعم أن البنك المركزي مستقل.

ينطبق ذات المنطق في الولايات المتحدة، حيث كان أكبر أخطاء صناع السياسات متمثلاً في تعليق آمالهم على أن التضخم المرتفع «مؤقت». استمر هذا حتى نوفمبر 2021، حيث مارست إدارة بايدن الضغوط على بنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي لحمله على الإبقاء على تساهل السياسة النقدية من خلال تأخير ترشيح أو إعادة ترشيح مسؤولي الاحتياطي الفيدرالي. كان هذا التدخل السياسي واضحاً بقدر وضوح الجهود التي بذلها ريتشارد نيكسون في الضغط على رئيس الاحتياطي الفيدرالي آرثر بيرنز في سبعينيات القرن العشرين.

بطبيعة الحال، تواجه أوروبا أيضاً تهديدات. كان البنك المركزي الأوروبي أبطأ من بنك الاحتياطي الفيدرالي الأميركي أو بنك إنجلترا في رفع أسعار الفائدة.

لكن السبب الرئيسي وراء تردد البنك المركزي الأوروبي هو خوفه من أن تفسر الأسواق ارتفاع تكاليف الاقتراض على أنه تهديد لاستقرار الحكومة والخدمات المصرفية في بلدان منطقة اليورو الجنوبية الأكثر استدانة. الواقع أن أي زيادة في تكاليف الاقتراض الحكومية من الممكن أن تؤدي إلى اللعنة المزدوجة (أو «حلقة الهلاك») التي كان كثيرون أثناء أزمة الديون الأوروبية التي اندلعت قبل عشر سنوات يخشون حدوثها. إذا كان لزاماً على الحكومات المدينة أن تدفع علاوات مخاطر أعلى وإذا كانت مهددة بالإفلاس، فسوف تنخفض قيمة سنداتها بشدة، مما يقوض الميزانيات العمومية للبنوك التي تحتفظ بهذه السندات.

الواقع أن التاريخ عامر بأمثلة على التضخم المرتفع الذي يُـفضي إلى انهيارات اقتصادية واجتماعية. فمن خلال محاولة ربط المجتمعات بالنقود، نثرت البنوك المركزية مراراً وتكراراً بذور التفكك السياسي والاجتماعي على نطاق أوسع.

 

* أستاذ التاريخ والشؤون الدولية في جامعة برينستون.