لماذا لا يؤدي بنك الاحتياطي الفيدرالي الأميركي وظيفته؟

جون هـ. كوكرين

ستانفورد ــ يُـعـطي ترشيح أعضاء جدد لمجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي الفرصة للأميركيين ــ والكونجرس الأميركي ــ للتأمل في أداء أهم بنك مركزي في العالم وإلى أين يتجه.

السؤال الواضح الذي يجب أن يُـطرَح أولاً هو كيف نَسَـفَ بنك الاحتياطي الفيدرالي تفويضه الرئيس، الذي يتمثَّل في ضمان استقرار الأسعار. أن تعامل بنك الاحتياطي الفيدرالي مع التضخُّم اليوم على أنه مفاجأة تامة لهو دليل يشير إلى فشل جوهري. ومن المؤكد أنَّ هناك حاجة إلى بعض التحليل والبحث في الذات المؤسَّسية.

ولكن في حين تتصدَّر سياسات أسعار الفائدة عناوين الأخبار الرئيسة، فإنَّ الاحتياطي الفيدرالي يُـعَـدُّ الآن الهيئة الأكثر أهمية فيما يتصل بالتنظيم المالي. يدور سؤال مهم آخر إذًا حول ما إذا كان البنك ليستفيد من قوته الهائلة في تعزيز السياسات المناخية والاجتماعية. على سبيل المثال، يمكنه رفض تقديم الائتمان لشركات الوقود الأحفوري، أو مطالبة البنوك بعدم تقديم أيِّ قروض إلا للشركات التي تضع خططًا لخفض الانبعاثات إلى مستوى الصِّـفر الصافي، أو توجيه الائتمان نحو البدائل المفضلة. ومن الممكن أيضًا أن يقرر أنه سيبدأ التنظيم بشكل صريح باسم المساواة أو العدالة الـعِـرقية، بتوجيه البنوك إلى الأماكن أو الجهات التي يمكنها تقديم القروض إليها، ومن يجب توظيفه أو فصله، وما إلى ذلك.

ولكن قبل أن نفكِّر إلى أين يتجه تنظيم الاحتياطي الفيدرالي أو إلى أين ينبغي توجيهه، يتعيَّن علينا أن نضع في الحسبان أولاً فشل الاحتياطي الفيدرالي الأكبر. في عام 2008، اتخذت حكومة الولايات المتحدة قرارًا بالغ الأهمية مفاده أنَّ المؤسسات المالية يمكنها أن تستمرَّ في الحصول على الأموال التي تستخدمها لتنفيذ استثمارات محفوفة بالمخاطر إلى حد كبير عن طريق بيع ديون قصيرة الأجل معرضة للمخاطر، لكن جيشًا جديدًا من المنظمين سيحكم على مدى خطورة أصول المؤسسات. كان الأمل أنَّ الهيئات التنظيمية لن تفشل مرة أخرى أبدًا في الانتباه إلى فقاعات أخرى بحجم الأفيال مثل فقاعة الرهن العقاري الثانوي على دفاتر الميزانيات العمومية للبنوك. ومع ذلك، في العقد التالي من التنظيم المفصل و"اختبارات الإجهاد" القائمة على سيناريوهات منتظمة، لم يفكِّر الجيش التنظيمي التابع للاحتياطي الفيدرالي ولو مرة واحدة في الإجابة عن السؤال التالي: ماذا لو اندلعت جائحة؟

عندما وصلت الجائحة في أوائل عام 2020، تبرأ الاحتياطي الفيدرالي من وعده في عام 2008 بعدم السماح بحدوث أمر كهذا "مرة أخرى أبدًا"، متدخلًا هذه المرة على نطاق أوسع. في شهر مارس/آذار من ذلك العام، أثبتت البنوك المصرح لها بشراء وبيع أدوات الدين الحكومية عجزها عن التوسُّط في سوق سندات الخزانة الأميركية العادية. ولهذا، عمل الاحتياطي الفيدرالي على دعم السوق. دأب المنتقدون على الإشارة إلى مشكلات تتعلق بقواعد السيولة التي يطبِّقها الاحتياطي الفيدرالي، وكان إصلاح هذه الأسواق ليحدث بشكل سلس بسيط، لكن الإصلاحات الواضحة تلاشت. في وقت لاحق، حدث اندفاع إلى استرداد الأموال من صناديق أسواق المال. ومرة أخرى، أنقذ الاحتياطي الفيدرالي صناديق أسواق المال. لا شيء يسهل إصلاحه أكثر من الاندفاع لاسترداد الأموال من صناديق أسواق المال، لكن الإصلاح لم يحدث قَـط.

قام الاحتياطي الفيدرالي أيضًا بتمويل إصدارات جديدة من السندات البلدية ودعم أسعار سندات الشركات، مقدما بشكل أساسي ضمانة "مهما كلف الأمر". في عام 2008، رفض بنك الاحتياطي الفيدرالي الأميركي ووزارة الخزانة فكرة رفع سعر السوق لكل الرهون العقارية في إطار برنامج إغاثة الأصول المتعثرة. ولكن في عام 2020، أنشأت "سياسة باول" أرضية واضحة لأسعار سندات الشركات ــ وأكثر من ذلك.

الرد المتوقَّع على هذا الانتقاد سيكون: وماذا إذًا؟ ربما أفضى الإغلاق بسبب جائحة مرض فيروس كورونا 2019 (كوفيد-19) إلى اندلاع أزمة مالية. لكنَّ فيضًا من عمليات الإنقاذ نجح بدرجة كبيرة حتى إنَّ التضخُّم أصبح هو المشكلة اليوم. ليس هناك ما يدعو إلى القلق بشأن أي خطر جهازي، لأنَّ الاحتياطي الفيدرالي والخزانة سيخمدان أيَّ حرائق جديدة بالاستعانة بمحيطات من الأموال الجديدة.

تكمن المشكلة بطبيعة الحال في الحوافز التي خلقتها هذه السياسات. فلماذا تكلِّف نفسك عناء الاحتفاظ بالأموال النقدية أو تخصيص مساحة في ميزانيتك العمومية للشراء عند انخفاض الأسعار، أو توفير السيولة، أو التعامل مع "البيع بأسعار بخسة" على أنه "فرصة للشراء"؟ سوف يسبقك بنك الاحتياطي الفيدرالي ويستأثر بالربح على أية حال. إذا كنت شركة، فما الذي قد يحملك على إصدار أسهم ما دام بوسعك أن تقترض وحسب، وأنت تعلم أنَّ الحكومة ستدعم ديونك أو تنقذك، كما فعلت مع شركات الطيران؟ وإذا كنت مستثمرًا، فما الذي قد يجعلك تتردد في شراء دين محفوف بالمخاطر، ما دمت تعلم أنَّ قيمته ستكون مضمونة من خلال التزام "مهما كلَّف الأمر" من جانب الاحتياطي الفيدرالي في الأوقات العصيبة؟

لا عجب أنَّ أميركا غارقة في الديون. يفترض الجميع أنَّ دافعي الضرائب سيتكبدون الخسائر في فترة الانكماش التالية. لقد تراكمت قروض الطلاب، ومعاشات التقاعد الحكومية، والرهون العقارية، وكل منها ينتظر دوره لينقذه العم سام. لكن كل أزمة تتطلب عمليات نقل أكبر وأكبر. وفي نهاية المطاف سيرفض المستثمرون في السندات تسليم المزيد من الثروة لعمليات الإنقاذ، ولن يظلَّ الناس راغبين في الاحتفاظ بتريليونات الدولارات من الأموال النقدية المطبوعة حديثًا. وعندما تفشل خطة الإنقاذ التي ينتظرها الجميع، سنفيق وقد اشتعلت النار في البلدة ــ واحترق معها مركز الإطفاء.

في عام 2008، كان القائمون على التنظيم والمشرعون على الأقل يتمتَّعون بالحس السليم لإدراك المخاطر الأخلاقية، والشعور بالقلق إزاء المكاسب التي يجنيها المستثمرون في الأوقات الطيبة بينما يغطي دافعو الضرائب الخسائر في الأوقات العصيبة. لكن انفجار 2020 لم يُـسـتَـقـبَـل إلا بتهنئة الذات.

الواقع أنَّ بنك الاحتياطي الفيدرالي ذاته الذي غفل عن الانتباه إلى مخاطر الرهن العقاري الثانوي في عام 2008، ومخاطر الجائحة في عام 2020، والذي يأمل الآن في تطبيق اختبار الإجهاد على "مخاطر المناخ"، لن ينتبه بكل تأكيد إلى قدوم الحرب التالية، أو الجائحة، أو التخلُّف عن سداد الديون السيادية، أو أي حدث رئيسٍ مُـربِـك آخر. الواقع أنَّ القائمين على التنظيم في بنك الاحتياطي الفيدرالي لا يطرحون على أنفسهم حتى الأسئلة الأخيرة. وبينما يصدرون تصريحات مختلطة حول "أشكال الترابط" و"التفاعلات الاستراتيجية" و"تأثيرات الشبكة" و"دورات الائتمان"، فإنهم لم يحدِّدوا بعد ماهية المخاطر "الجهازية"، بخلاف المصطلح الشامل لمنح القائمين على التنظيم قوة شاملة تامة.

لن يتمكَّن القائمون على التنظيم أبدًا من التنبؤ بالمخاطر، أو معايرة أصول المؤسسات المالية ببراعة، أو ضمان إمكانية سداد الديون الهائلة دائمًا. نحن في احتياج إلى عكس الفرضية الأساسية حول نظام مالي حيث تضمن الحكومة دومًا جبالًا من الديون في الأوقات العصيبة، ويتعيَّن علينا أن نفعل هذا قبل أن يوضع مركز الإطفاء على محكِّ الاختبار.

إنَّ التنظيم الأفضل كفيل بعلاج الانقسامات الحزبية. اليسار محقٌّ عندما يزعم أنَّ البنوك الكبرى عبارة عن احتكارات قِـلة تفتقر إلى الكفاءة ولا تخدم مصالح أغلب الأميركيين. لكن هذه ليست القضية. ذلك أنَّ عبء الامتثال التنظيمي الهائل يشكِّل عائقًا رئيسًا يحول دون الدخول إلى السوق.

لا تحمل الدعوات التي تنادي "بالمزيد" من الضوابط التنظيمية أيَّ مغزى أو معنى. ذلك أنَّ الضوابط التنظيمية إما أن تكون ذكية أو غبية، فعّالة أو غير فعّالة، عامرة بالعواقب غير المرغوب فيها أو جيدة التصميم. نحن في احتياج إلى تنظيم أفضل، نحن في احتياج إلى مزيد من رأس المال، وليس عدة آلاف أخرى من الصفحات من القواعد. إنَّ رأس المال يوفِّر حاجزا ضد جميع الصدمات، وهو لا يتطلَّب أن يكون القائمون على التنظيم نافذي البصيرة. لقد اعترض الاحتياطي الفيدرالي على نحو فاضح سبيل مؤسَّسات العمل المصرفي الآمن ومقدمي المدفوعات الذين يمكنهم أن يساعدوا على تلبية الاحتياجات المالية لعدد كبير من الأميركيين.

قبل التحوُّل إلى قضايا مثل معالجة العلل التي يعاني منها كوكب الأرض ورد المظالم، ينبغي تحميل بنك الاحتياطي الفيدرالي الأميركي المسؤولية عن مدى سوء أدائه في القيام بمهمته الأساسية المتمثلة في حماية النظام المالي.

ترجمة: إبراهيم محمد علي            Translated by: Ibrahim M. Ali

جون هـ. كوكرين كبير زملاء مؤسسة هوفر.

حقوق النشر: بروجيكت سنديكيت، 2022.
www.project-syndicate.org