تاريخ التضخم بين الاستفادة وسوء الاستخدام

المصدر: ألان س. بلِندر *

للفيلسوف خورخي سانتايانا مقولة شهيرة مفادها أن «هؤلاء الذين لا يستطيعون تذكر الماضي والتعلم منه محكومٌ عليهم بتكراره». لكن اسمحوا لي أن أعرض عليكم لازمة منطقية لهذا القول وهي: هؤلاء الذين يسيئون تذكر الماضي قد يُستَدرجون إلى الخطأ بسوء قراءتهم للتاريخ.

من أمثلة ذلك، ما خرج به علينا مراقبون كثيرون لمأزق السياسات الذي يواجهه مجلس الاحتياطي الفدرالي الأمريكي حالياً، وهو مأزق لا يختلف عن ذلك الذي تجابهه البنوك المركزية الأخرى حول العالم، من تشبيه هذا الوضع الحالي بالمشكلات التي اصطدم بها رئيس الاحتياطي الفدرالي بول فولكر ومجلسه في أوائل الثمانينيات، إذ يوحي هذا التشبيه في مضمونه (للمقتنعين به) أن السيطرة على التضخم ستتطلب رفعاً أكبر لأسعار الفائدة، وكثيراً من الألم والتحمل، وربما ركوداً اقتصادياً عميقاً.

لا أنكر وجود أوجه تشابه بين الأزمتين. ولكن، لنبدأ بحقيقة واضحة لكنها تلقى تجاهلاً كبيراً. لو نظرنا في مشكلة التضخم الحالية في الولايات المتحدة، لوجدنا أنها حديثة نسبياً، إذ يعود تاريخها إلى ربيع عام 2021. ففي فبراير 2021، لم يكن معدل تضخم مؤشر أسعار المستهلك في 12 شهراً يتجاوز 1.7 %، لكنه وصل إلى 5 % في مايو من العام ذاته. في المقابل، نجد أنه حينما تولى فولكر زمام الأمور في الاحتياطي الفدرالي في أغسطس من عام 1979، كانت الولايات المتحدة تعاني بالفعل من ارتفاع التضخم على مدار السنوات الخمس عشرة الماضية تقريباً. وكان التضخم العام سجل معدلاً صادماً بلغ 11.8 % وقت تولي فولكر منصبه الجديد، بعد أن تجاوز 5 % منذ إبريل 1973، و8 % منذ سبتمبر 1978. وصار التضخم المرتفع مترسخاً بعمق في خطط الأعمال الأمريكية ونفسية الشعب. فقد أظهرت استطلاعات الرأي أن الشعب الأمريكي كان يتوقع استمرار التضخم بين مستوى 8 % إلى 10 % لسنوات.

يقودنا هذا إلى الاختلاف الثاني الكبير وهو السيطرة الجيدة بشكل لافت على توقعات التضخم الحالية، نظراً لحقيقة توافق هذه التوقعات تقريباً مع نسبة الاثنين بالمئة التي يستهدفها الاحتياطي الفدرالي لمؤشر أسعار نفقات الاستهلاك الشخصي. لا شك أن التضخم المتوقع يزيد عن 2 % في الأجل القريب، حيث يستطيع الناس رؤية حركة ارتفاع التضخم في الوقت الحالي؛ لكن إذا نظرنا في أفق الخمس أو العشر سنوات القادمة، سنجد الأرقام تتركز في نطاق 2 % إلى 3 %.

هذا أمر بالغ الأهمية، حيث تصير توقعات التضخم في الغالب جزءاً لا يتجزأ من تسويات الأجور، وأسعار الفائدة، وخطط الأُسر والأعمال. وبمجرد ارتفاعها إلى مستويات عالية، كما حدث مع فولكر في عام 1979، قد يصعب خفضها مرة أخرى. لذا أقول إن باول لا يواجه تلك المشكلة، على الأقل في الوقت الحالي.

ثالثاً، بالنظر في ظروف الاقتصاد الكلي المتباينة التي في ظلها شرع كلٌ من باول وفولكر في حملته لمكافحة التضخم، نجد أن معدل البطالة في الولايات المتحدة كان في أغسطس من عام 1979، أي مع بداية ولاية فولكر، 6 %، وربما لم يكن ذلك سيئاً للغاية؛ لكن بحلول مايو عام 1980، وبعد الركود القصير والحاد الذي شهده ذلك العام، ارتفع معدل البطالة إلى 7.5 %.

جاء تحرك مجلس الاحتياطي الفدرالي برئاسة باول لمحاربة التضخم متأخراً، وهو ما استحق عليه اللوم والانتقاد. لكن حينما شرع في النهاية في رفع أسعار الفائدة، وذلك في مارس 2022، كان معدل البطالة عند أحد أدنى مستوياته التاريخية وهو 3.6 %، وكانت أحدث معدلات توفير فرص عمل حقيقية تفوق 500 ألف شهرياً. ولبيان قيمة هذا الرقم الأخير ووضعه في منظوره الصحيح، نقول إن عدد الوظائف الجديدة المطلوبة للحفاظ على ثبات معدل البطالة قد يتراوح بين حوالي 75 ألفاً و100 ألف شهرياً، ما يعني أن الولايات المتحدة كانت ــ ولا تزال ــ تحظى بسوق عمل محكمة ومزدهرة منذ مارس 2022.

في النهاية، يجب أن نذكر الاختلاف الأشد وضوحاً من كل ما سبق. فقد نجحت جهود فولكر لمكافحة التضخم في تقليص معدل تضخم مؤشر أسعار المستهلك، الذي بلغ ذروته، بمقدار تسع أو عشر نقاط كاملة (بناءً على طريقة قياسها بالتضخم الأساسي أو التضخم العام)، بينما تتركز جهود الاحتياطي الفدرالي في عهد باول على التضخم الأساسي لمؤشر أسعار النفقات الشخصية، الذي بلغ ذروته في فبراير - مارس الماضيين بوصوله مستوى 5.4 %. واليوم يسعى المجلس لخفض هذا الرقم إلى 2 %، أي خفض بمقدار 3.4 نقطة مئوية «فقط».

لكل هذه الأسباب وغيرها، لم يفكر فولكر ورفاقه للحظة في التخطيط لهبوط سلس ومتدرج، لأن هذا ببساطة لم يكن في نطاق الممكن بالنسبة لهم. أما باول وزملاؤه فيحلمون كل ليلة بتحقيق مثل هذا الهبوط.

استُخلصت هذه المقالة من الكتاب الجديد للمؤلف الذي يحمل عنوان تاريخ نقدي ومالي للولايات المتحدة الأمريكية: 1961 – 2021 (مطبعة جامعة برنستون، 2022).

 

* أستاذ الاقتصاد والشؤون العامة في جامعة برِنستون، ونائب رئيس مجلس الاحتياطي الفدرالي الأمريكي الأسبق