النظام النقدي الدولي يفقد صلاحيته

بقلم أندرو شنغ، وشياو جينغ

هونغ كونغ- بعد الأزمة المالية العالمية لعام 2008، بدا العالم مستعدًا لإجراء إصلاح هادف للنظام النقدي الدولي. ولكن التغييرات الهيكلية الموعودة لم تحدث أبدًا. وقد أشارت اجتماعات الربيع الأخيرة لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي إلى أنَّ موجة الاضطرابات الحالية في الاقتصاد العالمي ستفشل كذلك في تحفيز التحول.

وعندما هزت أزمة عام 2008 النظام المالي العالمي، اتخذ صانعو السياسة إجراءات جذرية تؤدي إلى استقراره. فإلى جانب عمليات الإنقاذ الحكومية لصالح البنوك المتعثرة في الولايات المتحدة، التي تشكِّل مركز الأزمة، تمَّ توسيع نطاق السيولة إلى حدٍّ كبيرٍ من خلال تيسير كمي واسع النطاق ومقايضات العملات الأجنبية من قِبَل البنوك المركزية. وتعزَّزت شرعية النظام النقدي الدولي من خلال توسيع نطاق صنع القرار ليشمل مؤسَّسات بما فيها مجموعة السبع ومجموعة العشرين.

وتمثَّلت الخطوة التالية الواضحة في الإصلاح التنظيمي الذي يهدف إلى منع حدوث الأزمات في المستقبل. ولهذه الغاية، فوضت المزيد من الصلاحيات إلى مجلس الاستقرار المالي، وهو هيئة دولية تركز على تحديد وتعزيز السياسات التنظيمية والإشرافية القوية وغيرها من سياسات القطاع المالي. وشجَّع مجلس الاستقرار المالي، على سبيل المثال، زيادة متطلبات رأس المال والسيولة للبنوك، والحدود على نسب الروافع المالية.

ولكن الإصلاحات الحاسمة، مثل محاولات مجلس الاستقرار المالي توسيع الرقابة لتشمل الوسطاء الماليين غير المصرفيين، أحبِطت بسبب تراجع المجتمع المالي. كذلك، في الولايات المتحدة، تمَّ لاحقًا إضعاف النظام التنظيمي الصارم الذي وضع بعد الأزمة.

وفي الوقت نفسه، ولّد التوسع النقدي الهائل الذي دعم الاقتصاد العالمي مخاطر جديدة، حيث شجعت أسعار الفائدة المنخفضة للغاية المضاربة قصيرة الأجل وتضخم قيمة الأصول، دون زيادة الإنتاجية طويلة الأجل. ووفقًا لمعهد ماكينزي العالمي، تضاعف إجمالي الأصول ثلاث مرات من عام 2000 إلى عام 2020، حيث أصبحت قيمة الأصول والخصوم المالية العالمية أكبر مرتين من الأصول الحقيقية. وفي الوقت نفسه، أصبح القطاع المالي وملكية الثروة أكثر تركيزًا.

والآن، تهدد سلسلة جديدة من الصدمات بما في ذلك الوباء، وارتفاع التضخم وأسعار الفائدة، والحرب في أوكرانيا، بإحداث مزيد من الاضطرابات. ووفقًا لمجموعة الأربعة والعشرين الحكومية والمعنية بالشؤون النقدية الدولية والتنمية، تشمل التحديات الأكثر إلحاحًا ضائقة الديون التي تعاني منها الأسواق الناشئة والاقتصادات النامية، والتوزيع المنصف للقاحات، والارتفاع المفاجئ في التضخم، والمخاطر المتزايدة على الاستقرار المالي.

والجهود المبذولة لمواجهة مثل هذه التحديات العاجلة مجزأة إلى حد كبير. فعلى سبيل المثال، في أغسطس/آب الماضي، وافق صندوق النقد الدولي على تخصيص عام لحقوق السحب الخاصة (حقوق السحب الخاصة، الأصول الاحتياطية للصندوق) بما يعادل 650 مليار دولار. وقد أدى ذلك إلى توسيع موارد صندوق النقد الدولي إلى حد كبير، لكن الطلبات على التمويل زادت إلى حد كبير. وكما اعترفت المديرة العامة، كريستالينا جورجيفا، في الاجتماعات الأخيرة، فإنَّ 60٪ من البلدان، بما في ذلك 20 دولة على الأقل في إفريقيا جنوب الصحراء، لديها أعباء ديون تتجاوز 50٪ من الناتج المحلي الإجمالي، وتواجه أو تقترب من ضائقة الديون.

ونظرًا لأنَّ الحرب في أوكرانيا أدت إلى زيادات حادة في أسعار الطاقة والغذاء، والتي أثرت بشدة على بلدان الأسواق الصاعدة والبلدان النامية، فمن المتوقع أن يزداد الوضع تدهورًا. وبالفعل، تجري الأرجنتين، ومصر، ولبنان، وسريلانكا، محادثات مساعدة عاجلة مع صندوق النقد الدولي. أمّا بالنسبة لأوكرانيا، فقد قدَّم صندوق النقد الدولي 1.4 مليار دولار في شكل تمويل طارئ، لكن البلاد تحتاج ما لا يقل عن 5 مليارات دولار شهريًّا للحفاظ على اقتصاد فعّال، وهذا لا يغطي حتى إعادة الإعمار بعد الحرب.

والأهم من ذلك، أنَّ "العاجل" و"المهم" ليسا الشيء نفسه. وهناك بعض الأسئلة الحاسمة المتعلقة بالإصلاح الهيكلي التي لم يبدأ حتى صندوق النقد الدولي وأصحاب المصلحة الأقوى في الإجابة عنها. وربما أكثر ما يهم هو ما إذا كان النظام الحالي القائم على الدولار الأمريكي، والذي صُمِّمَ في نهاية الحرب العالمية الثانية يمكنه الاستمرار في توفير السلع العامة العالمية.

لقد نجح هذا النظام بالتأكيد في تعزيز العولمة، والتجارة، والتمويل، والنمو الشامل، خلال فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية التي كانت سلمية إلى حد كبير، بما في ذلك حقبة الحرب الباردة المتوترة. ولكنها لم تكن مصممة للتعامل مع التحديات المعقدة التي يفرضها تغيُّر المناخ، والأوبئة، والابتكار التكنولوجي السريع، وزيادة عدم المساواة، والتغيُّر الديموغرافي طويل الأجل، والصراع الجيوسياسي المتصاعد. وبالتأكيد لم يكن القصد منها العمل ضمن نظام عالمي متعدد الأقطاب.

لقد تلقّى العالم وعوداً بوضع نظام نقدي دولي محايد مؤمن بعملة احتياطي مستقرة صادرة عن قوة مهيمنة عالمية. ولكن نظرًا لتسليح الدولار الأمريكي من خلال العقوبات، أصبح من الواضح جدًّا أنَّ النظام الحالي بعيد عن الحياد.

وفضلًا عن ذلك، لم تعد الولايات المتحدة القوة المهيمنة على العالم. ويبدو الآن أنَّ النظام العالمي سينقسم إلى كتلتين، لكل منهما هياكل أمنية، وسلاسل توريد، وتقنيات، وأنظمة مالية خاصة بها. وعلى أي حال، يشير برنارد سنوي إيدوبويرز في كتاب سيصدر قريبًا، إلى أنه عندما تصبح أي عملة وطنية عملة عالمية، يترتب على ذلك ستة أنواع على الأقل من عدم الاستقرار: عدم الاستقار البيئي، والاقتصادي، والاجتماعي، والمالي، والسياسي، والإيديولوجي.

ويتطلَّب بناء نظام نقدي دولي أكثر استقرارًا التحوُّل إلى عملة عالمية حقيقية. وحقوق السحب الخاصة هي المرشَّح الأوضح، بدعم من مبادرة Palais-Royal (بالي روايال) عام 2011. ولكن الولايات المتحدة، التي تتمتَّع بأكبر قدر من النفوذ في صندوق النقد الدولي، لن توافق على تحويل الصندوق إلى بنك شبه مركزي يتمتَّع بسلطة إصدار عملة فوق وطنية من شأنها أن تقوض "الامتيازات المسرفة" لأمريكا.

وحتى إذا لم يكن من المحتمل أن تحلَّ عملة وطنية محل الدولار في أي وقت قريب، فهناك طريقتان أخريان لتقليل هيمنة الدولار بصفتها وسيلة للأداء وتخزين القيمة: العملات الرقمية، وإنشاء أنظمة الدفع غير القائمة على الدولار وتوسيعها (استبدال Fedwire (فيدواير)، وSWIFT (سويفت) وEuroclear (يوروكلير)، وما شابه ذلك).

إنَّ النظام النقدي الدولي غير مستدام. ويمكننا إمّا إصلاحه الآن وإمّا انتظار أزمة كارثية- أزمة ديون في بلدان الأسواق الناشئة والبلدان النامية بحجم الأزمات المالية في أمريكا اللاتينية وآسيا في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، أو نوبة كساد عالمية مثل تلك التي شهدناها في ثلاثينيات القرن العشرين، أو الحرب بين القوى الكبرى- تجبرنا على اتخاذ الإجراءات اللازمة.

ترجمة: نعيمة أبروش  Translated by Naaima Abarouch

أندرو شنغ هو زميل متميز في معهد آسيا العالمي بجامعة هونغ كونغ، وهو عضو في المجلس الاستشاري لبرنامج الأمم المتحدة للبيئة بشأن التمويل المستدام. سياو جانغ رئيس معهد هونغ كونغ للتمويل الدولي، هو أستاذ ومدير معهد السياسة والممارسة في معهد Shenzhen (شنجن) في الجامعة الصينية بهونغ كونغ، شنجن.

حقوق النشر: بروجيكت سنديكيت، 2022.
www.project-syndicate.org