حرب أوكرانيا تعيد تشكيل التنمية

أندرو شينغ، وشاو جينغ

 

هونغ كونغ- إنَّ التعافي الاقتصادي العالمي من جائحة كوفيد-19 كان دائما هشًّا وخاصة في العالم النامي، ومع حرب روسيا الكارثية في أوكرانيا فإنَّ هذا التعافي قد تحطَّم تقريبًا ولكن التداعيات المباشرة للغزو هي فقط البداية وفي عالم يهيمن عليه مرة أخرى الصراع بين القوى الكبرى، فإنَّ على البلدان إعادة التفكير بمقاربتها المتعلقة بالتنمية.

 

كان الاقتصاديون المختصون بالتنمية في الماضي يركّزون بشكل أساسي على النمو، حيث كان يُعتقد أنَّ التوسع الاقتصادي السريع هو مفتاح تحقيق الازدهار على نطاق واسع. ولكن في ثمانينيات القرن الماضي بدأت الشمولية الاجتماعية والبيئية في الظهور في أجندة السياسات، وأصبحت أكثر بروزاً مع مرور السنين.

 

وحتى قبل غزو روسيا لأوكرانيا- وحتى قبل انتشار الجائحة- كانت الأسواق الناشئة والاقتصادات النامية تعاني على جميع تلك الأصعدة؛ ففي مارس 2020 قدَّر البنك الدولي أنَّ عدم المساواة ضمن الأسواق الناشئة والاقتصادات النامية والهوة بينها وبين الاقتصادات المتقدمة قد وصلت لمستويات لم يسبق لها مثيل منذ عقد من الزمان، وفي خضم الفقر المتصاعد والكوارث الطبيعية الكارثية وتصاعد الاضطرابات الأهلية، لم يكن من المفاجئ أنَّ صنّاع السياسات في الدول النامية كانوا يكافحون من أجل صياغة سياسات مناخية يمكن أن تفي بالالتزامات الدولية.

 

إنَّ هناك المزيد من التحديات في المستقبل، ومع وصول التضخم إلى 7،5% في الولايات المتحدة الأمريكية في يناير، بدأ الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي بتشديد السياسة النقدية، حيث طبّق أول زيادة من بين سبع زيادات في أسعار الفائدة مخطط لها هذا العام بمقدار ربع نقطة. لقد أشار رئيس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي جيروم باول إلى إمكانية أن تكون هناك حاجة لزيادات أكبر لو استمر التضخم في التصاعد، وبالنسبة للأسواق الناشئة والاقتصادات النامية فإنَّ هذا سوف يخلق بيئة صعبة تتعلق بالسياسات تتميز بسيولة أقل، ودولار أمريكي أقوى، وتدفقات سريعة لرأس المال إلى الخارج.

 

إن الحرب على أوكرانيا قد جعلت الأمور أسوأ بكثير؛ فطبقًا لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية فإنَّ الصراع سوف يؤدي إلى انخفاض الناتج المحلي الإجمالي العالمي بنسبة واحد في المئة على أقل تقدير هذا العام؛ بسبب الركود العميق في روسيا، كما سيتسبب الصراع في ارتفاع الأسعار الاستهلاكية بنحو 2،5 نقطة مئوية، وبالنسبة للأسواق الناشئة والاقتصادات النامية (باستثناء الصين) فإنَّ هذا يعني نموًّا أقل من 3،2% هذا العام، أي أقل من نصف معدل النمو السنوي فيها قبل الأزمة المالية العالمية سنة 2008.

 

لكن النمو هو فقط جزء من المشهد حيث يتنبأ مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (الأونكتاد) بأنَّ التقلبات المالية المتزايدة وارتفاع تكاليف الغذاء والوقود والتجارة يمكن أن تؤدي إلى حلقة مفرغة من مبيعات الأصول بأسعار منخفضة وتخفيض سعر الصرف وأزمات الديون.

 

إنَّ الأسواق الناشئة والاقتصادات النامية لديها خيارات قليلة للتخفيف من المخاطر التي تواجها ومع وصول مستويات الدين لمعدلات مرتفعة تاريخيًّا ، فإنها تفتقد للقدرة المالية على دعم اقتصاداتها وإضافة إلى ذلك وعلى عكس البلدان التي تصدر عملات احتياطية، فهي لا تستطيع أن تلجأ للتخفيف الكمّي، ونظراً لأنَّ الاقتصادات المتقدمة وخاصة في أوروبا تواجه مخاطر أمنية متزايدة مما يزيد من احتياجات الإنفاق الدفاعي وأكبر أزمة لاجئين منذ الحرب العالمية الثانية ، فإنَّ الأسواق الناشئة والاقتصادات النامية لا تستطيع التعويل على الكثير من المساعدة الخارجية في التعامل مع حالات التخلف عن سداد الديون أو الأزمات المالية أو تلك المتعلقة بالحوكمة.

 

إنَّ ما يزيد من تعقيد استجابة السياسات هي حدة ومدة حرب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والعقوبات التي فرضها الغرب ردًّا على تلك الحرب كما لا يزال من المستحيل التنبؤ بالاختناقات في سلسلة التوريد الناتجة عن ذلك، أي بعبارة أخرى لا يوجد ما يدل على مدى حدة تلك المخاطر مستقبلًا.

 

ولكن، بغض النظر عن مجريات الحرب، يبدو من الواضح أنَّ الدول ستضطر إلى إعطاء الأمن القومي مكانة أكثر بروزًا في برامج التنمية الخاصة بها. وكما لاحظت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية هذا لا يعني فقط زيادة الانفاق الدفاعي وعلى الرغم من وجود ضغوط قوية لعمل ذلك فقط. إنَّ هذا يعني كذلك تنويع مصادر الطاقة والغذاء والاستعداد للتجزئة الاقتصادية العالمية.

 

في العقود الأخيرة، أتاحت "العولمة الليبرالية" اندماج الأسواق الناشئة والاقتصادات النامية ضمن الاقتصاد العالمي، ولكن وكما أوضح داني رودريك من جامعة هارفارد مؤخرًا فإنَّ الغزو الروسي لأوكرانيا "وضع المسمار الأخير في نعش النظام الدولي" الليبرالي "بعد عام 1989"، بما في ذلك العولمة المفرطة التي أتاحها.

 

إنَّ العقوبات الاقتصادية والمالية التي تواجهها روسيا- ليس أقلها اقصاءها الجزئي من نظام الرسائل المالية سويفت للمدفوعات المصرفية الدولية- سوف تسّرع من الجهود لتطوير أنظمة وهياكل جديدة حيث حذَّرت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أن هذا يمكن أن يؤدي إلى تآكل هيمنة الدولار الأمريكي على الأسواق المالية والمدفوعات العابرة للحدود.

 

بالنسبة للأسواق الناشئة والاقتصادات النامية، قد يلزم إدخال تغييرات على تركيبة العملات لاحتياطيات النقد الأجنبي وبشكل عام سيتعيَّن عليها التكيُّف مع عالم يكون فيه التخصص واقتصاديات الحجم ونقل المعلومات والمعرفة أكثر صعوبة بكثير.

 

وفي هذا المقام قد تكون الأسواق الناشئة والاقتصادات النامية قادرة على استخلاص الدروس من تقرير حديث للأونكتاد عن التحوُّل الهيكلي في الصين، والذي يسلِّط الضوء على نجاح الصين في وضع استراتيجيات لسياسات عملية وشاملة ومتماسكة في مجالات تشمل التمويل والتنمية الصناعية والتجارة الدولية والاقتصاد الرقمي. وكما جادلنا منذ فترة طويلة كان تاريخ الصين في التعلم من أخطائها والتكيُّف مع الظروف المتغيرة ضروريًّا لنجاحها، ليس فقط من حيث النمو، ولكن أيضًا من حيث المرونة والصلابة.

 

يصر "الواقعيون" في الغرب على أنَّ نموذج الحوكمة الصيني غير قابل للتكرار في البلدان الأخرى. لكن من غير المرجَّح أن تقدِّم الدول الغربية التي تواجه تحديات جديدة خاصة بها للأسواق الناشئة والاقتصادات النامية الدعم الذي تحتاجه من أجل أن تبقي التنمية على المسار الصحيح ونظراً لذلك فإنَّ الأمر يرجع للأسواق الناشئة والاقتصادات النامية لتغيير مقاربتها للتنمية وهذا قد يعني الاسترشاد بالتجربة الصينية.

 

أندرو شينغ هو زميل متميز في معهد آسيا العالمي بجامعة هونغ كونغ، وهو عضو في المجلس الاستشاري لبرنامج الأمم المتحدة للبيئة بشأن التمويل المستدام. شياو جينغ هو رئيس مجلس إدارة مؤسسة هونغ كونغ للتمويل الدولي وهو أستاذ ومدير معهد السياسة والممارسة في معهد شينزن المالي في جامعة هونغ كونغ الصينية في شينزن.

حقوق النشر:بروجيكت سنديكت ،2022
www.project-syndicate.org