الشطرنج والعالم الجيوسياسي في عصر الكمبيوتر الخارق

كينيث روجوف

طوال قرون من الزمن، كان الشطرنج يُـعَـد استعارة وصفية للحرب في الأساطير والأعمال الأدبية. في مباراة بطولة العالم المقبلة، والتي ستقام في عام 2023 بين بطل روسيا إيان نيبومنياشتشي وبطل الصين دينج ليرين، قد تكون هذه المقارنة أكثر ملاءمة من أي وقت مضى، حيث من المحتمل أن تتحدد النتيجة من خلال التفوق في الحوسبة الفائقة المتعددة الأغراض بقدر ما تستند إلى البراعة والإبداع البشريين في ممارسة لعبة الشطرنج.

 

وصلنا إلى المباراة بين «نيبو» و«دينج»، كما يسميهما عالَـم الشطرنج، لأن النرويجي ماجنوس كارلسن، المصنف الأول عالمياً والبطل المدافع عن اللقب، قرر أنه بعد فوزه باللقب العالمي خمس مرات منذ عام 2013 (ليس بسهولة دائماً)، أصبح مستعداً للتنحي في سن 31 عاماً. (نيبو 32 عاماً، ودينج 29 عاماً).

الواقع أن قِـلة من المعلقين أو كبار اللاعبين توقعوا أن يتنازل كارلسن عن لقبه. وقد أثبت بالفعل أنه أفضل لاعب شطرنج على الإطلاق (إلى جانب الروسي جاري كاسباروف والأمريكي بوبي فيشر)، كما أنشأ منصة ناجحة للشطرنج. لم يكن يريد خوض مباراة أخرى في بطولة العالم دون التركيز الفولاذي الضروري، والذي ينطوي على مستوى غير عادي من الـحِـفظ، أكثر حتى من ذلك الذي كان مطلوباً قبل عشر سنوات. (من عجيب المفارقات، أن اسم نيبو في اللغة الروسية يعني «الشخص الكثير النسيان»؛ والواقع أنه أي شيء غير ذلك).

أصبحت الاستعدادات لمباريات بطولات الشطرنج الثنائية متوترة على نحو متزايد، حيث تلعب أجهزة الكمبيوتر دوراً متزايد الأهمية ــ أكثر من ذلك الذي تلعبه في البطولات العادية المتعددة اللاعبين، حيث «الجميع يلاعبون الجميع». ففي منافسة عادية، لا يستحق الأمر عادة الاستغراق في بحث مكلف مدعوم بأجهزة الكمبيوتر لعدة أشهر للفوز بمباراة واحدة ضد خصم قوي. هناك عدد كبير للغاية من المباريات والبطولات، ويتلاشى عنصر المفاجأة بمجرد استخدام فكرة جديدة بشكل ملحوظ ولو حتى مرة واحدة.

لكن في مسابقات بطولة العالم القصيرة (أحدثها في عام 2021 بين نيبو وكارلسن، كان من المقرر أن تصل إلى 14 مباراة)، قد يخلف فوز واحد مبكر تأثيراً ضخماً لأن اللاعب المتقدم يصبح بوسعه حينئذ أن يتحمل التعادل في كل المباريات المتبقية. برغم أن فوزاً واحداً لا يمنح ميزة حاسمة، فإن مغزاه في مباريات بطولة العالم أكبر كثيراً مما يعني في بطولة عادية، حيث يستلزم الفوز عادة تحقيق عدد من الانتصارات أكبر من الخسائر على الأقل.

فاز كارلسن بلقب بطولة العالم 2021 بشكل حاسم في النهاية، ولكن بعد انهيار خصمه، الذي كان يخوض أول بطولة له، بعد خسارته المباراة السادسة. خلال المباريات الخمس الأولى، كان نيبو، الذي تمكن من اختبار أفكاره الجديدة على الكمبيوتر الروسي الخارق Zhores، على وشك الفوز مرتين، لكنه لم يتمكن من التحول في مواجهة دفاع كارلسن البارع.

في الاستعداد للمباراة بين دينج ونيبو العام القادم، سيتلقى دينج مساعدة هائلة من مجتمع التكنولوجيا الصيني. ليس من الواضح بذات القدر ما إذا كان لا يزال بإمكان نيبو الحصول على دعم مماثل من روسيا. مع ذلك، لا يزال نيبو يمتلك قدراً كبيراً من المادة الجوهرية في متناول يده من مباراته على اللقب في عام 2021 مع كارلسن ــ المادة التي استخدمها لتحقيق الفوز المدوي ببطولة المرشحين الأخيرة في مدريد لتحديد من سيتحدى البطل.

مع تنحي كارلسن، اكتسب دينج، صاحب المركز الثاني في مدريد، حق اللعب على اللقب. وصل دينج، الذي قد يكون لاعباً أفضل من نيبو، إلى بطولة المرشحين وهو غير مستعد بدرجة مؤسفة لأنه لم يكن قادراً على السفر بحرية للمنافسة منذ اندلاع جائحة كورونا.

لكن اللاعب الصيني الرقيق المعسول اللسان نجح في الفوز بصعوبة على هيكارو ناكامورا، الذي خيب آمال الجماهير الأمريكية المخلصة له بدرجة كبيرة. الواقع أن ناكامورا، الذي اشتهر بذكائه الحاد وسرعة خاطره سواء في حركات الشطرنج أو المحادثات، أصبح نجماً خارقاً على منصة تويتش، حيث اكتسب 1.5 مليون متابع من خلال خوض مباريات الشطرنج العالية السرعة، مع الإدلاء في ذات الوقت برأيه المتعقل حول كل شيء، من نوع السيارة التي تستحق الشراء، إلى الذكاء الاصطناعي.

لو تعادل ناكامورا فقط في مباراته في الدور الأخير ضد دينج في مدريد، فإنه كان سيصبح ثالث أمريكي منذ فيشر في عام 1972 يلعب في مباراة بطولة. تصدر فيشر عناوين الصحف العالمية بفوزه على بوريس سباسكي ليفوز باللقب العالمي، ويُـنـهي بالتالي بمجهود فردي هيمنة الشطرنج الروسي. على الرغم من أن ناكامورا لاعب عصامي صنع نفسه إلى حد كبير، لا يملك المرء إلا أن يتخيل أن شركة ديب مايند التابعة لجوجل، والتي دفعت حدود الذكاء الاصطناعي، ربما كانت لتقرر مساعدته لو واجه خصماً روسياً في بطولة العالم.

تحرز لعبة الشطرنج مكانة مذهلة بشكل متزايد على مستوى العالم. فقد سجلت ممارسة الشطرنج عبر الإنترنت زيادة هائلة أثناء الجائحة، وعلى الرغم من انحسار هذه الطفرة بعض الشيء، تشير مقاييس مثل العضوية في مواقع اللعب الافتراضية الرائدة إلى أن الاهتمام لا يزال أعلى كثيراً من المستوى الذي كان عليه قبل ثلاث سنوات. ومن الواضح أن نجاح The Queen’s Gambit، المسلسل الأكثر نجاحاً على الإطلاق من إنتاج نتفلكس عندما بُـثّ في عام 2020، والذي فاز بجائزة إيمي كأفضل مسلسل محدود، ساعد في ذلك بكل تأكيد. ورغم أن هذا المسلسل لا يناسب الأطفال تماماً، فقد اجتذب جيلاً جديداً من الفتيات الصغيرات إلى لعبة الشطرنج، كما تقول جينيفر شاهاد في كتابها الجديد الثاقب البصيرة بعنوان «ملكات الشطرنج».

* كبير خبراء الاقتصاد الأسبق في صندوق النقد الدولي، وأستاذ الاقتصاد والسياسة العامة في جامعة هارفارد