الحدود القادمة للشركات المسؤولة

برتراند بادري وكاميل بوتوا

باريس - كشفت أزمة وباء كوفيد 19 عن مدى ارتباط جميع التحديات الرئيسة التي نواجهها. فقد أسهم فقدان التنوع البيولوجي وزيادة عدم المساواة في حدوث كارثة عالمية في مجال الصحة العامة إلى جانب أسوأ أزمة اقتصادية منذ ما يقرب من قرن من الزمان.

وكما يحدث غالباً خلال مثل هذه الأزمات، يعمل الناس بشكل مفاجئ على إحداث تغييرات كانوا يرفضونها سابقاً رفضاً قاطعاً. على سبيل المثال، هناك تحول كبير في عالم الشركات، حيث يحرص العديد من المديرين والمستثمرين على تبني ممارسات ونماذج أعمال أكثر استدامة ومسؤولية.

تتلخص المهمة الآن في ضمان انتشار هذه العقلية الجديدة بشكل سريع. كيف يمكننا ضمان توصل جميع الشركات إلى اتفاق، بالنظر إلى أنها ستظل خاضعة لمطالب ومصالح المساهمين والمستثمرين؟ ببساطة، يمكن تحقيق ذلك من خلال معايير الحوكمة البيئية والاجتماعية وحوكمة الشركات. لكن هذه المعايير تُقدم حلاً جزئياً فقط. في حين يعرف هذا المجال ازدهاراً ملحوظاً على وجه التحديد، فقد أصبح مزدحماً ومُربكاً، مما أدى إلى شكاوى حول "الإجهاد بسبب تقديم تقارير حول الاستدامة".

لحسن الحظ، تمَّ مؤخراً توحيد الجهود، حيث أعلن كبار واضعي معايير الحوكمة البيئية والاجتماعية وحوكمة الشركات مثل المبادرة العالمية لإعداد التقارير ومجلس معايير محاسبة الاستدامة أنهم سيعملون معاً. لا يتمثل هدفهم في إنشاء معيار واحد، بل "مساعدة أصحاب المصلحة على فهم أفضل لكيفية استخدام المعايير بشكل مُتزامن".

وعلى نحو مماثل، حرصاً على الوضوح وقابلية المقارنة والاتساق، أصدر مجلس الأعمال الدولي التابع للمنتدى الاقتصادي العالمي أخيراً "مقاييس رأسمالية أصحاب المصلحة" التي تهدف إلى تسريع التقارب بين كبار واضعي المعايير الخاصة. وقد أطلق الاتحاد الأوروبي مراجعة لتوجيهه الخاص بإعداد التقارير غير المالية، والذي يتطلَّب من الشركات الكبيرة الكشف عن معلومات حول كيفية عملها وإدارتها للتحديات الاجتماعية والبيئية.

كلُّ هذه الخطوات جيدة ومُفيدة. ينمو قطاع تمويل الحوكمة البيئية والاجتماعية وحوكمة الشركات بسرعة ومن المرجح أن يستمرَّ في التوسع، خاصة بعد أن أثبتت الشركات التي تتمتع بسمعة طيبة فيما يتعلق بالممارسات الأخلاقية والمستدامة أنها أكثر مرونة خلال أزمة وباء كوفيد 19. لكن هذا التقدم قد ينحرف عن مساره إذا لم يتمكَّن المستثمرون بسهولة من مقارنة تقارير مجموعة من الشركات حول بيانات الحوكمة البيئية والاجتماعية وحوكمة الشركات مع مجموعة أخرى.

ما نحتاج إليه إذاً هو مجموعة من المعايير العالمية الحقيقية للحوكمة البيئية والاجتماعية وحوكمة الشركات التي تتمتَّع بمقاييس وقواعد مُنسقة وواضحة للكشف عن البيانات. هذا لا يعني أنه يجب أن تكون هناك مجموعة واحدة فقط من المعايير. سوف تُقدم بعض معايير إعداد التقارير معلومات أكثر من غيرها؛ وسيركز البعض على المواضيع المهمة لخلق قيمة المؤسَّسات؛ وسيؤكد البعض الآخر على تأثير الشركة في العالم من حولها. ستظل هناك أساليب مختلفة لإعداد تقارير حول الحوكمة البيئية والاجتماعية وحوكمة الشركات، ولكن جميعها ستستند إلى نفس الأساس.

علاوة على ذلك، تُشكل التقارير الواضحة حول الحوكمة البيئية والاجتماعية وحوكمة الشركات جزءًا واحدًا فقط من الحل. ستحتاج الشركات أيضاً إلى استكمال عمليات الكشف عن المخاطر القائمة على معايير الحوكمة البيئية والاجتماعية وحوكمة الشركات من خلال مقاييس لتقييم تأثيرها في البيئة والمجتمع، مع الإبلاغ عن العوامل الخارجية السلبية والإيجابية على حد سواء. بعبارة أخرى، يجب أن ننتقل من ثقافة التصريحات والنوايا المعلنة إلى ثقافة النتائج الواقعية، بناءً على تقييمات الآثار.

يُشكِّل قياس التأثير الأوسع لأي شركة الخطوة الأولى نحو محاسبة الشركات بشكل مناسب. بغض النظر عن النتائج الفورية، تركز هذه المقاييس على نتائج أوسع نطاقاً نابعة من سلوك الشركة. يشجع هذا النوع من الأطر أصحاب الشركات على دمج أهداف التأثير في استراتيجياتهم الأساسية، وبالتالي تسريع التحول في رأس المال نحو الاستثمارات المسؤولة. كما يجعل من السهل على الحكومات ضبط السياسات التي تؤثر في أنشطة الشركات.

يُشكِّل قياس التأثير الأوسع لأي شركة الخطوة الأولى نحو محاسبة الشركات بشكل مناسب. بغض النظر عن النتائج الفورية، تركز هذه المقاييس على نتائج أوسع نطاقاً نابعة من سلوك الشركة. يشجع هذا النوع من الأطر أصحاب الشركات على دمج أهداف التأثير في استراتيجياتهم الأساسية، وبالتالي تسريع التحول في رأس المال نحو الاستثمارات المسؤولة. كما يجعل من السهل على الحكومات ضبط السياسات التي تؤثر على أنشطة الشركات.

تُعدُّ محاسبة التأثير أفضل وسيلة لخلق تكافؤ الفرص الذي تتطلبه رأسمالية أصحاب المصلحة. كما تعترف رسميًّا بقيمة القرارات التي تحركها المخاوف المتعلقة بقضايا المناخ والتنوع البيولوجي. في الواقع، تُراعي محاسبة التأثير قضايا التوظيف مثل المساواة في الأجور، والمزايا، والتقدم الوظيفي، والصحة والسلامة المهنيين. كما تُشجع الشركات على تعزيز الممارسات المستدامة في جميع سلاسل التوريد الخاصة بها، والتي يمكن أن تحقق عوائد من خلال جعلها أكثر مرونة في مواجهة الصدمات المفاجئة. وأخيراً وليس آخراً، تُعدُّ مقاييس التأثير سهلة الفهم المفتاح لبناء الثقة مع العملاء والمجتمعات المحلية وجميع أصحاب المصلحة الآخرين.

وبطبيعة الحال، لن يكون لجميع الشركات تأثير إيجابي في العالم. في بعض الصناعات، ستكون مقاييس الأثر سلبية باستمرار. يتمثل الهدف في رسم خط بين الشركات الملتزمة حقًّا بزيادة صافي تأثيرها الإيجابي، والشركات التي تعمل على توصيل انطباع مُضلل حول مدى احترام منتجاتها للبيئة. عندما تقدم المزيد من الشركات بيانات تأثير دقيقة وموثوقة وشفافة للمستثمرين الذين يستجيبون لمطالب العملاء بشأن الاستثمارات المسؤولة، سيتم ضبط تدفقات رأس المال وفقاً لذلك، مما يؤدي إلى آثار إيجابية على المدى البعيد.

السؤال الأخير هو ما إذا كانت محاسبة التأثير يمكن أن تعمل كمُكمل للمحاسبة المالية. بعد كل شيء، تُعدُّ قياسات التأثير مُعقدة للغاية، ويبدو أنها تستند إلى افتراضات يمكن الطعن فيها بسهولة. ومع ذلك، كما أشار جون ماينارد كينز، "من الأفضل أن تكون قريبًا من الصواب عن أن تكون مخطئاً على نحو جازم". في الواقع، لا تُعدُّ أساليب المحاسبة المالية الراسخة مثالية، بل تكتفي فقط بتقدير الحقائق الاقتصادية الأساسية. لا ينبغي لنا تجنب إتباع نفس النوع من التقريب القوي عندما يتعلق الأمر بقياس التأثير الاجتماعي والبيئي للشركات.

في حين بدأت الجهود الرامية إلى قياس الأثر وتحويله إلى نقذ بمجموعة صغيرة من المقاييس البسيطة التي وضعتها منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (بناءً على عمل مبادرة الأعمال من أجل الرفاهية)، فقد نشأت أطر عمل أكثر تقدماً وستستمر في التطور والتوسُّع. من خلال محاسبة التأثيرات القوية للعمليات المباشرة، وسلاسل التوريد، والتقييمات البيئية والاجتماعية للسلع والخدمات، ستصير الحكومات قادرة على صياغة سياسات لتشجيع السلوك المسؤول وزيادة تكاليف العوامل الخارجية السلبية مثل انبعاثات غازات الدفيئة.

إنَّ المخاطر هائلة، ويتعيَّن على الحكومات والشركات العمل معاً لتحويل اتجاه محاسبة التأثير. من شأن خارطة الطريق العالمية أن تُعالج القضايا الرئيسة مثل قواعد الشفافية والإفصاح، وبالتالي إحراز تقدم أسرع نحو المقاييس المشتركة والمنهجية مشتركة القادرة على توحيد مصالح الشركات والمستثمرين والحكومات فيما يتعلق بمعالجة التحديات الكبرى في عصرنا. هناك حدود جديدة قادمة للأعمال المسؤولة.

برتراند بادري هو المدير العام السابق للبنك الدولي، والرئيس التنفيذي ومؤسس شركة "Blue like an Orange Sustainable Capital" ومؤلف كتاب "هل يستطيع التمويل إنقاذ العالم؟ كاميل بوتوا هو الرئيس التنفيذي لشركة الأعمال من أجل النمو الشامل.

حقوق النشر:بروجيكت سنديكت ،2020
www.project-syndicate.org