إضاءة شعرية (الجزء الثاني)

  • 299

15) تعلَّق كثير من الأدباء بدوابهم، فوصف الشعراء نوقهم، والفرسان منهم خيولهم، وأيضًا الحمير، غير أنَّ أبا الحسين الجزّار (من أعلام القرن السابع الهجري) سخر من حماره فرماه بالبلادة والعجز فقال:

هذا حماري في الحمير حمار ... في كلّ خطو كبوة وعثار

قنطار تبن في حشاه شعيرة ... وشعيرة في ظهره قنطار

 

16) يُروى أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم أُنشِدَ قول عنترة:

ولقد أبيتُ على الطَّوَى وأظلُّهُ ... حتَّى أنالَ به كريمَ المأكلِ

 فقال: ما وُصِفَ لي أعرابيٌّ قط، فأحببتُ أن أراه إلّا عنترة.

 

17) كان الجاهليون من أشراف العرب كرماء فضلاء، يمنعهم عن الدنيّة شرفُهم، كما يمنع المسلمين دينُهم، ومن أشعر الشعر في حفظِ حقوق الجار والمرأة عامةً قولُ عنترة:

وأغضّ طرفي إن بدت لي جارتي ... حتى يواري جارتي مأواها

 

18) جاء رجل إلى الخليل بن أحمد ليتعلَّم منه علم العَروض، فأرهق الخليل وأعياه مدةً ولم يتعلّم شيئًا، وكان الخليل حييًّا، فصادف يومًا أن قطع الخليل بيت عمرو بن معد يكرب:

إذَا لَمْ تستطِعْ شَيْئا فدَعْهُ ... وجاوِزْهُ إِلَى مَا تَستَطِيعُ

فكرَّره الخليل قاصدًا، ففطنَ الرجلُ ورحل عنه.

 

19) أراد بعض طلاب العلم أن يحتالوا للمبرد ليوقعوه في خطأ ويظهروا جهله، وكانوا منه مغتاظين، فبينما هم ذات يوم يقطعون قول طرفة:

أبا منذرٍ أفنَيْتَ فاستبْقِ بعضَنا ... حنانَيْكَ بعضُ الشرّ أهوَن من بعضِ

فنطق أحدهم تفعيلة الشطر الأول الأخيرة (قِ بَعْضنا) فكرَّرها، ثمَّ لاح له أن يخترع مسألة للمبرد، فيسأله عن معنى (القِبَعْض)، فذهبوا إليه، فسلّموا ثمَّ قالوا: ما القبعض في لغة العرب، فقال المبرد: هو القطن، وشاهده قول الراجز يصف جمله:

كأن سنامه حُشِي القِبَعْضَا

فأفحمهم، وتعجبوا من سرعة بديهته، هل حق ما يقول فيكون علمُه واسعًا، أم اخترعه لهم فيكون أعجب.

 

20) كان عبد الله بن كعب يُسمّى (العَجلان) لتعجيله القِرَى للضَّيْفِ، فكان بنوه يفخرون بهذا الاسم، حتى قال النجاشي الحارثي يهجوهم:

وما سُمِّيَ العَجلان إلا لقولهم ... خُذِ القَعْبَ فاحْلُبْ أيها العبدُ واعْجَلِ

فصار الرجل منهم إذا سُئِلَ عن نسبه يقول: كَعْبِيٌّ.

 

21) بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر وقد شنق ناقته بزمامها حتى وضعت رأسها على مقدمة الرَّحْلِ، فقال لكعب بن مالك: احدُ بنا، فقال كعب:

قضينا من تهامة كل حق ... وخيبر ثمَّ أغمدنا السيوفا

نخبِّرها ولو نطقت لقالت ... قواطعهن دَوْسًا أو ثقيفا

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: والذي نفسي بيده لهي أشدُّ عليهم من رَشْقِ النَّبْلِ.

 

22) حضر عند عبد الملك بن مروان يومًا ناسٌ من العرب، فيهم تميمي ونميري، فمرَّ بهم رجلٌ يحمل بازيًا (من جوارح الطير) فقال التميمي للنميري: ما أحسنَ هذا البازي! فقال النميري: نعم، وهو يصيد القطا.

وذلك أنَّ التميمي عرض له بقول جرير:

أنا البازي المُطلُّ على نمير ... أُتِحْتُ له من الجوِّ انصبابا

فعرض له النميري بقول الطِّرِمَّاحِ:

تميم بطُرْقِ اللُّؤم أهدى من القطا ... ولو سلكتْ سُبلَ المكارمِ ضَلَّتِ

 

23) سار شريك بن عبد الله النُّميري مرةً مع يزيد بن عبد الله بن هُبيرة الفزاري، فتقدمت بغلة النميري، فقال يزيد: غُضَّ من لجامها، فقال النميري: أصلح الله الأمير، إنها مكتوبة. فضحك يزيد وقال: ما ذهبتُ حيثُ أردتَ.

وذلك لأنَّ يزيد عرض له بقول جرير:

فغُضَّ الطَّرْفَ إنك من نمير ... فلا كعبًا بلغتَ ولا كِلابَا

فعرض له شريك بقول ابن دارة:

لا تأمنَنَّ فَزَاريًّا خلوتَ به ... على قَلُوصِكَ واكتُبْها بأسيارِ

وكان بنو فزارة يرمون بذلك.

 

24) كان بنو نُمير بن عامر إذا سُئِلَ الرجلُ منهم عن نسبه قال: نُمَيْري، فهم من أشرف بيوت قيس بن عيلان، حتى قال جرير يهجو الراعي النميري:

فغُضَّ الطَّرْفَ إنك من نمير ... فلا كعبًا بلغتَ ولا كِلابَا

فصار الرجل منهم إذا سُئِلَ عن نسبه قال: عامريٌّ.

 

25) قيل لجارية: مَنْ أشعرُ النَّاس؟ فقالت: الذي يقول (وهو أبو نُوَاسٍ):

وأهجرُكم حتى يقولوا لقد سلا ... ولستُ بسالٍ عن هواكِ إلى الحشْرِ

ولكنْ إذا كان المحبُّ على الذي ... يحبُّ شفيقًا نازعَ النَّاسَ بالهجرِ

 

26) قدم رجل من فزارة على الخليل بن أحمد الفراهيدي، وكان عَيِيًّا، فسأل الخليل عن شيء فأبطأ الخليل في الجواب، فتضاحك الفزاري. فالتفت الخليل إلى بعض جلسائه فقال: الرِّجَالُ أَرْبَعَة: رجلٌ يدْرِي وَلَا يدْرِي أَنه يدْرِي فَذَاك غافلٌ فنبِّهوه، وَرجلٌ لَا يدْرِي ويدري أَنه لَا يدْرِي فَذَاك جَاهِل فعلِّموه، وَرجلٌ يدْرِي ويدري أَنه يدْرِي فَذَاك عَاقل فَاتَّبِعُوهُ، وَرجل لَا يدْرِي ولَا يدْرِي أَنه لَا يدْرِي فَذَاك مائقٌ فَاحْذَرُوهُ. ثمَّ أنشأ الخليلُ يقول:

لو كنتَ تَعلَمُ ما أقولُ عذَرتَني ... أَوْ كنتُ أَجْهَلُ ما تقولُ عذَلتُكا

لَكِنْ جَهِلتَ مَقَالَتي فَعذَلْتَني ... وعلِمتُ أَنَّكَ مائقٌ فَعَذَرْتُكا

 

27) مِنْ أحسنِ ما قيل في العفاف قولُ المتنبي:

يَرُدُّ يدًا عن ثوبها وهو قادرٌ ... ويَعْصِي الهوى في طيفها وهو راقدُ

فزاد العفة حتى في النوم.

 

28) قال عبد الله بن سالم الخياط في رجل كثير الكلام:

لي صاحبٌ في حديثه البركةْ ... يزيد عند السكون والحركةْ

لو قال (لا) في قليل أحرفها ... لردَّها بالحروف مشتبكةْ